الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



هكذا أرى

مدينة الثقافة..الأحلام والأسئلة المعلّقة


بقلم: كمال الشيحاوي

لطالما اشتكى منظّمو التظاهرات الثقافية في بلادنا وفي العاصمة تحديدا من قلّة فضاءات العرض ومحدودية قدرتها على استيعاب الجمهور الذي ما فتئ عدده يتزايد من سنة إلى أخرى فضلا عن حالة الفضاءات القديمة في أغلبها وتواضع تجهيزات الإضاءة والصوت فيها. ويمكن القول بكل اعتزاز أن جزءا كبيرا من هذا المشكل قد حلّ مع افتتاح مدينة الثقافة التي لم تنجح في احتضان عديد التظاهرات الثقافية الوطنية والدولية فقط وابهار الفنانين والجمهور بما توفّر في قاعات العرض فيها من تجهيزات تقنية عالية الجودة وإنما سمحت أيضا باحتضان تظاهرات جديدة نذكر منها ما جرى منذ أسبوع وهي تظاهرة «دونكيشوت في المدينة» وما يجري هذه الأيام من فعاليات أيام قرطاج الثقافية للإبداع المهجري والتي ستمتد فعالياتها حتّى التاسع عشر من هذا الشهر الجاري.

ولعلّه من المناسب التذكير بأن عددا كبيرا من التظاهرات الثقافية قد انتظم خلال سنة، وموسم الافتتاح، كما تمّ الاتفاق على تسميته، نذكر من أبرزها أيام قرطاج الموسيقية، وأيام قرطاج للرقص والفن المعاصر، كما نشير أيضا إلى الملتقى الأوّل للرواية العربية والذي أداره بيت الرّواية الذي يعتبر مؤسسة نوعية في العالم العربي والندوة الدولية التي نظّمها معهد تونس للترجمة الذي انتقل مقرّه الى المدينة حول موضوع توحيد مصطلحات الترجمة بالإضافة إلى أيام قرطاج للفنون التشكيلية و عديد المعارض والعروض الفنية الخاصّة واللّقاءات وعروض المسرحيات والبرمجة السينمائية اليومية.

وما كان لهذه البرمجة أن تنجح لولا ما توفّر من امكانيات لوجستية وتقنية لقاعات عروضها ومنها قاعة أوبرا تتسع لـ1800 مقعد ومسرح الجهات ذي الـ700 مقعد ومسرح الشباب ذي الـ300 مقعد وقاعات السينما ومتحف الفنون البصرية والمركز الوطني للسينما والصورة وفضاءات وقاعات أخرى هي الآن بصدد التهيئة.

لا شكّ أنّ هناك صعوبات ما تزال تعترض المشرفين على هذه المدينة ولكن الثابت أن هناك جهدا كبيرا يبذل من قبل كلّ الفريق العامل لأجل الحفاظ على ديمومة النشاط الثقافي فيها والحفاظ على نوعيته وضمان متابعة الجمهور واهتمامه في الوقت نفسه وهو أمر ليس بالهيّن لأسباب موضوعية منها غلاء تكلفة الأعمال الفنّية العربية والدولية الجيّدة وهو مشكل كبير في ظلّ ما تعيشه المالية العمومية من مشاكل باتت معروفة لدى الجميع ما يضطرّ الإدارة العامة لمختلف الأقطاب الفنية إلى الاستعانة بصيغ التبادل الثقافي الدولية والتي تسمح لبلادنا باحتضان عروض كبيرة لا قبل لوزارة الشؤون الثقافية بتحمّل تكلفة دعوتها، يضاف إلى ذلك ضعف مستوى الأعمال الفنّية في بلادنا ومحدودية عددها وهو مشكل كبير على اعتبار حاجة مدينة الثقافة لأن تكون فضاء نوعيا ومرجعيا يراعى في اختيار العروض فيه مستوى عالي. وثمّة مشكل آخر مهمّ أيضا يتعلّق بتردّي المقدرة الشرائية للتونسيين والتي تمنع فئات كثيرة منهم من دفع معلوم الدّخول لعروض فنّية جيّدة ما يضطرّ إدارة المدينة الى فتح مسارحها وفضاءات العرض فيها لعروض مدعومة وبأسعار مناسبة عموما.

ولا تفوتنا الإشارة في هذا السّياق إلى مشكل الجمهور وثقافته الفنّية التي شهدت انحدارا كبيرا في العشريتين الأخيرتين، إذ لطالما تمّت الإشارة إلى ضعف اقباله على العروض المسرحية وعزوفه عن قاعات السينما وتعامله المناسباتي مع التظاهرات الثقافية وانقطاع صلته بالكتاب والآداب عموما مقابل اهتمامه بثقافة الهواتف الذكية والمنتديات الاجتماعية. ولا نظنّ أن إعادة هذا الجمهور وحسن تربية ذائقته الفنّية هي مسؤولية مدينة الثقافة فقط وإنما هي مسؤولية مشتركة تتدخّل فيها العائلة والمؤسسات التربوية ووسائل الإعلام ومختلف مؤسسات العمل الثقافي بمختلف محاملها التي عليها واجب تجديد طرق عملها وتحسين فضاءاتها بما يتناسب ورغبات الجمهور الذي باتت تغريه قاعات الشاي المكيّفة والمجهزة بالشاشات العملاقة.

لقد تمّ التأكيد منذ الأيام الأولى لافتتاح مدينة الثقافة من قبل كّل الأطراف المعنية بهذا المكسب الوطني الهام على ضرورة أن يجد ما به يخلق لنفسه موارد مالية تساعده في إثراء موازنته المالية سواء بكراء فضاءاته للمجموعات والشركات الخاصة فضلا عن المؤسسات الوطنية التي تريد تنظيم تظاهرات خاصّة بها أو بفتح محلاّت تجارية وخدماتية تتناسب وأجواء المدينة الثقافية وتعود أرباحها لميزانية المدينة.

ولقد قيل الكثير من الكلام المحبط في خصوص مدينة الثقافة وهي بصدد البناء في زمن الترويكا حيث ذكر أحد وزرائها أن بنائها «ستاليني» هكذا وغير مناسب لأجواء الحياة الثقافية الحرّة، ولعله وحكومته كان يمهد لعملية تفويت فيها. وما يزال الكلام السلبي والعدمي يلاحق أنشطتها من هنا وهناك من قائل بأنها لن تصمد في المستقبل وبأن البيروقراطية ستسرّع بفشلها وانهيارها إلى قائل بأنها ستستحوذ على كلّ طاقات الوزارة وكفاءاتها وتضعف دور بقية الفضاءات الثقافية الصغيرة في العاصمة إلخ.

وتقديرنا أن مدينة الثقافة التي تعدّ حقا مفخرة لجميع التونسيين ينبغي لكي تصمد في المستقبل أن تكون مثالا لطرق وصيغ جديدة في إدارة العمل الثقافي العمومي، طرق تقطع مع البيروقراطية وعقلية رزق الباي ليك، وتحرص على شفافية وحوكمة التصرّف في الموارد المالية ومتابعتها، طرق تقوم على المشاريع وعقود الأهداف وتضع نهاية ولو في المدى الموسّط والبعيد لأساليب بائسة في إهدار المال العام بسياسة الدعم التي انتهت إلى صيغ اجتماعية، تعاونية أضرّت كثيرا بمستوى الفن والثقافة في بلادنا.