الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


هكذا أرى
«هكذا تكلم زرادشت»

كتاب من تأليف الفيلسوف «نيتشه»!


بقلم:محمد مصمولي

...قراءتي لكتاب (هكذا تكلّم زرادشت) تَعُودُ إلى فجر الستينات مِنَ القرن العشرين حين كنت في ربيع العمر، وبدايات رحلتي في دروب الفكر والفن، ولم أتجاوز بعد العقدين من الزمن إلاّ بعام واحد فقط....

وهذا الكتاب الفلسفي الذي ألّفه «نيتشت» يقع في أربعة أقسام واعتبره «نيتشت» نفسه من أحسن مصنفاته على الاطلاق، مشيرا إلى أنّه قد طوّر من خلاله اللغة الألمانية إلى أعلى مستويات الجودة... ولأنّ قراءتي الأولى لهذا الكتاب في ترجمته الفرنسية قد أثّرت في نفسي بما في أسلوب هذا المبدع الكبير من «نثر شعري» وخيال مجنح ولغة راقية، فإنّني، مع كوني لم أفهم إلاّ القليل من محتوىالكتاب، قد اقتبست مِنْ تعبيراته عبارة (سم شوق نحو الضفّة الأخرى) وجعلتها عنوانا لمقال نشرته بالفرنسية في مجلة (الجيل) التي كانت تصدر باللّسانين، عن مدرسة ترشيح المعلمين بتونس العاصمة... وهي مجلة مدرسية... ذات توزيع محدود، واحتضنت بداياتنا الأولى في الكتابة أنا وزملائي التلاميذ ومن بينهم: محمود طرشونة، والصادق شرف والمرحوم محمود التونسي...

 

... خلاصة هذا الكتاب هي كالتّالي:

... بعد أن إختلى «زرادشت» بنفسه مدّة عشر سنوات في جبال الأَلْب... أحسّ برغبته في أن يفيد البشر من ثمار حكمته... فنزل إلى المدينة غير أنّ الشعب لم يصغ إلى أقواله... بل كان منصرفا إلىالتصفيق لبهلوانيات راقص على الحبال ... فإذا سَمِعُوا كلام «زرادشت» ضحكوا ولم يفهموا معناه لذلك سعى إلى اكتساب أتباع له يُدركون مغزى تعاليمه وخطبه وما فيها مِنْ تحدّ صارغ للمثل القديمة البالية.. ودارت عِظَاته حول موضوعات شتّى منها: تطور الفكر البشري، والثورة على الوقوفيين الراضين بأحوالهم الراهنة، وعلى الماورائيات المؤدية إلى التجريد...

والثقافة المحدودة الأبعاد، وعبادة الدولة التي تحوّل أتباعها إلى عبيد وأيضا: تمجيد الحرب... باعثة القدرات والفضائل الإنسانية...!

... ثم عاد «زرادشت» إلى وحدته في أعالي الجبال...

 

... وبعد مرور شهور وسنوات رجع «زرادشت» إلى التبشير وإلى الحملة على المثاليين، قائلا أنّ على الحياة أن تنتصر، وعلى الإنسان أن يتحرّر بتحقيق أقصى ما في ارادته من قدرة...

... وحمل في خطبه وعظاته على الضعفاء الخائفين أما عقيدتهم الدينية، كما حمل على الكهنة والمبشّرين بالمساواة.. وكذلك على العلماء والشعراء والسياسيين الذين ينشرون الأوهام والوعود الكاذبة..

 

... ورجع «زرادشت» للمرّة الثالثة.. إلى المدينة ، بعد أنْ بلغ أعماق الحقيقة... وتغنّى بالانتصار على الكآبة... فدعا الناس إلىالتخلّي عن التزمت.. وأعلن الوصايا الجديدة المتعلقة بالقيم، والمبدلة ، حسب رأيه، للمفاهيم القديمة القائمة على أساس الخير والشر...

 

... وبعد بلوغه هذا المدى من تعاليمه... إرتدّ إلى منسكه في أعالي القمم...

... وبينما هو في وحدته سمع صوت استغاثة فسعى إلى اكتشاف مصدره وإذا به يصادف في طريقه الكائنات السبعة التي ترمز إلى القيم القديمة... المتنكرة في أزياء القيم الجديدة، وقد تمثلت في عَرّاف متقزز من الحياة، ومَلَكين يائسين من فساد الحكم، ومتزمت مُسمّم الفكر والعقيدة، وساحر اسْتَعْبدتْهُ خزعبلاته، وآخر البابوات التائه بلا غاية «بعد وفاة معبوده»، ورجل هو أٍقبح البشر وهو الذي قتل الخالق، وشحاذ ساع وراء السعادة على الأرض. وقد إلتجأ هؤلاء إلى «زرادشت» فكان بالتئام شملهم مولد (الرجل الأسمى) الذي ابتعث فيهم طاقة جديدة.

 

وما كاد «زرادشت» يبتعد عن جماعته... مدّة من الزمن... حتّى تولاهم الجزع لأنّهم عاجزون عن الحياة بلا الله، فانحنوا يتعبدون لحمار..

غير أن «زرادشت» عاد إليهم... وقضى على كفرهم بالحقيقة المنطلقة من فمه... وأخذ يترنم بأنشودة الخلود.

وهكذا انتهت قصة «زرادشت» في صباح من الأنوار المشعة ليبدأ، من بعد... عملُ أنصاره...

 

تلك هي خلاصة الكتاب الذي أله «نيتشه» بعنوان (هكذا تكلّم زرادشت) وقرأته في فجر الستينيات من القرن العشرين، ثم أعدت قراءته بعد سنوات... فإذا بي أدرك ما دعا إليه هذا الفيلسوف الإستثنائي من ضرورة بناء الأخلاق والدين على أساس نظرية القوة التي ركز عليها فلسفته الخاصة ... وهي، في رأيي، قابلة للنقاش بالرغم من أهميتها.

والرأي عندي هو صعوبة الموافقة على رأيه المتمثل في قوله، مثلا ، أنّ المساواة والديمقراطية مناقضتان لنظرية الانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح.

وكيف يمكننا أن نتفق معه حين يرى أنّ ما نحتاج إليه هو القوة... لا الطيبة، والكبرياء... لا الخضوع، والذكاء الحازم لا حبّ الخير ومساعدة الناس?

وبالرغم من كل شيء فإنّ قوام فلسفة نيتشه، في مختلف أطوارها، هو حب الحياة وله مكانة متميزة في تاريخ الفكر العالمي.