الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



تلوينات

..في مظاهر تخلف مكتباتنا الجامعية


إن ما تعيشه الإدارة التونسية اليوم من صراعات على المناصب جعلت المرفق الإداري أداة طيّعة تتلاعب بها أهواء اللاهثين وراء التموقع داخل كل جهاز إداري دون ضمير مهني وبلا وازع وطني، من ذلك مثلا نُعاين وفي كثير من الحالات سعيا لقطع الطريق أمام كل إداري فطن وباحث عن الإضافة ومُلاحق لآخر التطورات المنهجية والتكنولوجية في قطاعه. لذا وفي الجانب التكويني -وعوضا على سبيل المثال- عن توجيه العاملين بالمكتبات الجامعية نحو دورات تكوينية في الميدان المكتبي والتوثيقي يقع ترسيمهم في دورات تتعلق بكتابة الضبط أو بمجالات بعيدة عن تخصصهم المهني...

ولعل ما يلفت الانتباه للوهلة الأولى هو انغلاق المكتبات الجامعية على نفسها، فلا تُوجد أية خطة أو برنامج تعاون بين مختلف الكليات خاصة من نفس الاختصاصات، هذا علاوة على عدم وجود آلية تلقائية لإثراء كل مكتبة على الأقل بكافة إصدارات الباحثين المرسمين بها، لأن المسألة لا يجب أن تكون مرتهنة بمزاج مسؤولي كل فترة من فترات التسيير ولا بالتعلل بقلة الموارد المالية للمؤسسة.

لقد تظافر عماء الإدارة المركزية لوزارة التعليم العالي وغياب الإرادة السياسية للحكومات المتعاقبة مع تقاعس العاملين بالمكتبات الجامعية وأيضا مع طمس روح التقييم والنقد والرغبة في الإصلاح لدى العمداء ومديري المعاهد العليا ورؤساء الجامعات الذين أغرقهم منافسوهم الفاشلون في الانتخابات الجامعية في مشاكل يومية مفتعلة، وذلك في إطار المراهنة على فشلهم الإداري ليطرحوا أنفسهم كبدلاء مستقبليين. وأدى كل ذلك إلى حالة شبه فوضوية شملت فيما شملت السير العادي للمكتبات الجامعية، التي كان يجب أن تتطور باستمرار لا أن تبقى في تراجع منذ تأسيسها.

وما يعنينا في هذا الشأن هو تشبيك المكتبات الجامعية في تونس وإتاحتها للعموم على الإنترنات. وفي الواقع فإن هذا الهدف قد تحقق منذ سنوات عن طريق شبكة «بيروني»، غير أن المشكل القائم يكمن في عدم التحاق بعض المكتبات الجامعية بهذه الشبكة، بل إنها حافظت على اعتماد برنامج أكساس الذي يرجع إلى سنة 2000، وهو برنامج هش يمكن فسخه من طرف أحد الطلبة أو الباحثين، كما أنه قابل للتلف مع الحاسوب لأنه مرتبط بذاكرة الحاسوب بدل أن يكون متصلا عن بُعد بالانترنات.

وإلى جانب غياب مختصين في ترميم الكتب وانعدام الآليات الدورية في ضبط إحصائيات تفاعلية تكون كفيلة برصد أصناف الكتب وعناوين المصنفات الأكثر مطالعة أو طلبا فإن أشد ما تعاني منه المكتبات الجامعية هو تقشف المسؤولين في رصد ميزانية سنوية صغيرة بقيمة عشرة آلاف دينار لشراء بعض الآلات الجديدة خاصة جهاز ب د ف أ، الذي يقوم بتصوير كل كتاب دون حاجة إلى من يقلب صفحاته، وبطريقة تمنع كل تغيير في محتوى الكتاب أو قرصنته. وبحسب ما أفادتنا به خولة الجبيني المكتبية الموثقة بإحدى المكتبات الجامعية فإنه ينبغي - وإضافة إلى ضرورة تزود كل المكتبات الجامعية التي تحترم تصنيفها الأكاديمي المرموق- تفعيل العمل بأحدث البرمجيات الخاصة بالمكتبات لتيسير العثور على الكتاب المنشود، وإنجاز إحصائيات آلية بما يساعد على معرفة عدد طلب كل كتاب، وهل هو في وضع إعارة أم أنه متوفر على الرفوف في لحظة البحث عنه. ووفقا رأي محدثتنا فإن الاستعانة بالبرمجيات الحديثة سيخلص المكتبات الجامعية التونسية على الأقل من آفتين كبيرتين هما: اقتناء نفس العناوين من سنة إلى أخرى، والتزود بالكتب غير المطلوبة في هذا الجزء الجامعي أو ذاك لعدم التخصص فيها.

ويكفي التحلي بنظرة استشرافية حتى يسعى الساهرون على مكتباتنا الجامعية إلى توثيق الصلات بمكتبات الأمم المتحضرة من أجل الاستفادة من خبراتها ومن مناهج عملها ومن أحدث التجهيزات التكنولوجية المعتمدة لديها، ويجب أن يتمّ هذا تحت إشراف الإدارة العامة للبحث العلمي وحتى بالتعاون مع الإدارة العامة للمطالعة العمومية بوزارة الثقافة، فالمسألة على غاية من الأهمية لأنها تتعلق بتكوين النخب والكفاءات التونسية التي ستنهض بالبلاد في كل القطاعات.

ويمكن أيضا تشبيك المكتبات الجامعية على الصعيدين العربي والإسلامي بهدف الاستفادة من انخفاض كلفة الاقتناءات الجماعية للكتب من جهة وللتعريف بالكتاب العربي ونشره على نحو ناجع وسريع على النطاق الأكاديمي الإقليمي. ولا مفر كذلك من الشروع في تصور وتطبيق برنامج رقمنة المكتبات الجامعية بشكل يحفظ حقوق النشر ويدمج هذا الصنف من المكتبات في عصر المعرفة المعولمة والمرقمنة.

وما نحتاجه اليوم في تونس وأكثر من أي وقت مضى في مجال المكتبات الجامعية هو التحيين اليومي أو على الأقل الأسبوعي أو حتى الشهري لرصيد هذا النوع الراقي من المكتبات الخادمة للبحث العلمي، عن طريق توفير آليات اقتناء سريع لآخر الإصدارات الأكاديمية التونسية وإدماجها في قاعدة البيانات، علاوة على إتاحة فهارس المكتبات الجامعية التونسية للعموم وفي قاعدة بيانات واحدة يسهل النفاذ إليها عن بُعد، وربما يمكن إدماجها في مرحلة ثانية في قاعدة بيانات مشتركة سواء غربية أو عربية.

 

 


منصور