الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



على وزن الريشة

الموجز المختصر لما يقع في تونس من خَوَرْ؟


بقلم: حسن بن عثمان

يستحيل فهم ما يقع في البلاد التونسية من ملابسات سياسية وصراعات طاحنة ما لم يتفق جميع التوانسة على حكاية وطنية لمصيرهم المشترك، وما لم يحدث ذلك ستظلّ تونس تعاني معاناة شديدة تزداد تفاقما كل يوم وفي كل منعطف سياسي وانتخابي وكل حادث إرهابي، وكل لحظة من لحظات حياتها الراهنة.

في كل حكاية موثوقة لا يمكن التفكير بطريقة ثنائية: إمّا الخير، إمّا الشر، الأبيض أو الأسود، الحق المطلق أو الباطل المطلق... والحدود الفاصلة المرسومة الواضحة للعيان بين المطلقات. فكل حكاية أو رواية جديرة بمنزلتها يختلط فيها الحق بالباطل والخير بالشر والأبيض بالأسود، بما يؤكد طبيعة النفس البشرية، التي ألهمها الله فجورها وتقواها، وقد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها، حسب موازين النفس البشرية وتشريعاتها القانونية وضميرها الأخلاقي ورهافتها الحضارية وإيمانها الملهم..

وكما يعرف الجميع فكل حكاية لها فاعلون رئيسيون وفاعلون غامضون وفاعلون ثانويون، وفاعلون في البداية وفاعلون في النهاية وتقرير المصير، ورابحون هناك خاسرون هنا، أو بين بين، وتقلّبات السرد وتشويق الأحداث.

وفي كل تلخيص لما يقع في الحكاية هناك تعسّف يقتضيه التلخيص، لكي يدلّ على المواطن المركزية التي دارت حولها الأحداث ودارت حولها عقدة السرد والصراع. فالتلخيص هو إعادة الأمور إلى نصابها وإلى رموزها ورجائها وأسمائها النابضة بالفاعلية خلال الحكاية.

لذلك فإن إختصارنا في هذا التلخيص على الدور المحوري لحركة النهضة، الاتجاه الإسلامي سابقا، الجماعة الإسلامية الأسبق، في المسيرة الراهنة من الرواية التونسية هو من جهة لنتعرّف على طبيعة العقدة التي تكبّل البلاد، ومن جهة ثانية لمحاولة تلخيص رواية البلاد التونسية المتنازع حولها من قبل أبنائها ومواطنيها قبل أي جهة خارجية أخرى تتنازع على تونس، في الشرق والغرب.

فتونس رمزها بورقيبة ومن جاء بعده وحركة النهضة الإسلامية التونسية هي رمز الإسلام وهي رمز نهوضه وهي وعده ورجاؤه، ويمكن اختزال الإسلام السياسي العربي الإسلامي كلّه في حركة النهضة التونسية، ويمكن اختصار حركة النهضة في زعيمها المؤسس راشد الغنوشي، ويمكن اختزال راشد الغنوشي في كل ما حدث في البلاد التونسية من سياسة بعد الثورة التي صار زعيمها راشد الغنوشي، مثلما اعترفت به ألمانيا والهند والسند، فضلا عن أمريكا ولوبياتها اليهودية.

فالاختزال لا محيد عنه حين نرغب في التلخيص والتركيز والتقطير والوصول إلى لبّ الألباب وجوهر الحكاية.

 

نلاحظ منذ البداية أن حركة النهضة، سمّاها نظام بن علي بـ«حركة النهضة»، بعدما كان اسمها الاتجاه الإسلامي، وهي حركة وريثة المعارضة العربية الإسلامية للمشروع البورقيبي ودولة الاستقلال منذ بداية حرب التحرير التونسية والتفاوض حول الاستقلال من استعمار فرنسي غاشم افترس البلاد التونسية أو كاد. انبثقت تلك الحركة الإسلامية الإخوانية في السبعينات من القرن الماضي، وكان أساس تَفْكِيرِهَا هو تَكْفِيرُ سلطة بورقيبة الحاكمة واتهام الزعيم الوطني بمعاداة الإسلام وتغريب المجتمع التونسي وفرنسته وتدمير أخلاقه وانتمائه الحضاري والزج بتونس والتونسيين في تبعية ذليلة لدول الاستكبار العالمي والشيطان الأكبر أمريكا، وسلخها عن محيطها اللغوي والديني.

ذلك كان حال حركة النهضة منذ تأسيسها إلى الآن، رغم أنها حين تولّت السلطة في البلاد التونسية أكرهتها السلطة على النطق بإسم الحبيب بورقيبة دون لعنه والتشهير به بدولته، وصارت ترفع شعار القانون التونسي البورقيبي الذي كان سيفه مسلّطا عليها بصفتها حركة إرهابية مارقة وانقلابية.

 

تتلخّص دعوة حركة النهضة وسياستها في السرّ وفي العلن في العمل على إقامة الدولة الإسلامية في تونس التي تتبع خلافة الإخوان المسلمين وتنظيمهم العالمي. وحين تولّت النهضة السلطة بعد ادعائها الانتماء للثورة التونسية والمشاركة فيها، لم تنجح حركة النهضة في إقامة الدولة الإسلامية في تونس كنواة للخلافة الإسلامية السادسة، ولكنها نجحت في السيطرة على الحكم والحكومة والرئاسة بالانتخاب، نظرا لرصيد حركة الاتجاه الإسلامي الكبير بين الشعب، الذي وعدته حركة النهضة بالدولة الإسلامية وعدل «العُمَرَيْن/ ابن الخطاب وابن عبد العزيز» واستئناف الدور الحضاري، والمجد للمسلمين والإسلام. وبتلك الدعوة الخلاّبة صارت حركة النهضة في الصدارة في قلوب الشعب التونسي، قبل الثورة وبعدها، لأنها أوهمت الجميع وأوهمت نفسها وأنصارها، قبل الجميع، أنها قادرة على الانتقال بالبلاد التونسية وشعبها إلى الحريّة الحقيقية والكرامة البشرية والسماحة الإسلامية، بديلا عن نظام بورقيبة ثم نظام بن علي، المستبدين القاهرين للشعب «التونسي العظيم»، وأوهمت الخارج الأوروبي والأمريكي أن البلاد التونسية وقع السطو عليها من قبل أعوان فرنسا وأذنابها في البلاد وأزلام الاستعمار في تسيير الشأن العام الوطني، من أمثال بورقيبة وبن علي؟.

 

سفّهت حركة النهضة دولة الاستقلال وكل رموزها وكل منجزاتها لكي تصل إلى المكانة السياسية التي عليها في الداخل والخارج، وقدّمت وعودا لم تنجز منها وعدا واحدا في الحرية والشغل والكرامة البشرية والفضائل الدينية والجنّة الدنيوية، بل صارت البلاد في ظل حكم حركة النهضة في الحضيض، والناس على حافة الجوع، وعملتهم الوطنية التي كان دينارها التونسي يضاهي الدولار الأمريكي وله القيمة المالية ذاتها في الأسواق الدولية، صار الدينار التونسي، في حكم حركة النهضة وحلفائها طيلة هذه المرحلة السوداء من عمر البلاد، ينحطّ دينارها وتنحطّ قيمته بإطراد، بما ينذر بإفلاس الدولة التونسية وخراب عمرانها.

 

تمكّنت الحركة السياسية الإسلامية، حزب حركة النهضة، من مفاصل الدولة التونسية في البلاد وصارت هي التي تدير الشأن الوطني منفردة، وكل الآخرين يتقرّبون لها زُلفى، ولا يملكون من زمام أنفسهم شيئا، إلا ما أرضى النهضة.

وفي إدارتها للشأن العام ساد الفقر والرعب والخوف والإرهاب ومازال يتمدّد، لأن حركة النهضة التي ادعت الثورة التونسية والربيع العربي وادعت النطق بإسم الثورة، فقد اعتبرت أنها هي الوحيدة المنتصرة في الثورة، وأن الثورة غنيمتها الشخصية في شعب تونسي تعتبره كافرا ومنحطا وسفيها ولا يُرجى الخير منه، ومن عقله، ومن صلاّحه ومصلحيه، والتنكيل به شكل من أشكل التقرّب إلى الله تعالى بالنوافل، فالتنكيل بالكافرين التوانسة من الخارجين عن حركة النهضة، الخارجين عن الملّة والدين، حسب التصنيف السلفي والإخوانجي، هو شكل من أشكال العبادة، يثاب من يقترفه ويقترف القتل والتنكيل بالشعب التونسي؟

 

حين تيقّنت حركة النهضة التونسية بأنه يستحيل عليها حكم البلاد التونسية بالعقيدة الإخوانية والخلافة الإسلامية وشعارات دولة الدواعش صارت تعمل بلا هوادة على تدمير الشعب التونسي الذي لا يوافق ولا يتناسب مع عقيدتها وأديولوجيتها وروابطها الدولية، تعمل النهضة بلا هوادة على هذا الأمر الإرهابي الرهيب أمام الجميع، وصمت الجميع في الداخل والخارج، على أمر تدمير شعب كان مسالما وكان سالما قبل حلول قيادة النهضة من السجون والمنافي، لأخذ ثأرها من جميع المواطنين الذين يؤمنون بأن تونس وطن لا يفرّق بين أبنائه.

 

حتّى لا يُعتبر تلخيصنا لعقدة الحكاية التونسية تعسّفا وتهجّما على الحركة الإسلامية التونسية التي تحاول أن تجمع الإسلام بالديمقراطية في زواج مصلحي كله اغتصاب وعنف ورثاثة انحطاط، نذكّر أن الشيخ راشد الغنوشي سبق له منذ سنتين تقريبا، على إثر الحادث الإرهابي في باردو وعلى إثر مقتل حوالي أربعين سائح وسائحة أنقليزية في مدينة سوسة، وعد الأنقليز ووعد العالم بأنه سيعمل على تأليف سردية جديدة، مضادة لسردية الإخوان السائدة، سردية تنصف البلاد التونسية ولا تتناقض مع مسيرة الحركة العقائدية التي تحوّلت من العقيدة الإسلامية إلى العقيدة البورقيبية الوطنية، بسلاسة وأريحية وعدم شعور بتأنيب الضمير، وعبّرنا في حينها عن قدرتنا السردية على إعانة حركة النهضة على تصفية حساباتها الشخصية مع شخصيتها الحزبية العقائدية ومع مناضليها ومع «شهدائها» الذين ماتوا في السجون وفي المنافي ضحايا فكرة الغنوشي في الدولة الإسلامية والجنّة الأرضية... قلنا لهم ذلك أكثر من مرّة وكل لحظات مريرة... ولكن حركة النهضة ليست مستعدّة أبدا للتنازل عمّا تتصوّره انتصارها علينا وعلى البلاد، وبأنها ستفعل بنا ما تشاء، وما يشاء أزلامها وذيولها وأوباشها من أتباع الدساترة والتجمعيين المتحوّلين للنهضة والغنيمة وتونس المستباحة.

 

لا مهرب لحركة النهضة، لا بن سدرين ولا قضاء ولا قدر ولا أمريكا ولا ألمانيا ولا تركيا ولا قطر ولا خاشقجي، ولا بهامة انتقال ديمقراطي لا يتحرّك في الانتقال، والبلاد أسيرة هيمنة الشيخ الأكبر راشد الغنوشي الذي هَزَمَ بالضربة القاضية الشيخ الندائي البجبوجي، الذي أضاع تونس من فرط سياسته العائلية البجبوجية، بما يضاهي أو يفوق العائلة الطرابلسية، سابقا.

لا مهرب لحركة النهضة ما لم تعتذر هي ذاتها عما سببته للبلاد التونسية طيلة أربعين سنة من انبثاق الجماعة الإسلامية في البلاد التونسية وتعطيلها للمسار التنموي لدولة الاستقلال...

عدا ذلك فإن ما تقوله النهضة وما يخطب به خطيبها وزعيمها في الاحتفالات النهضوية العُظمى المتتابعة، ستذروه الرياح، ولنْ يَبْذُرَ بذرة واحدة صالحة، أبدا في البلاد التونسية وفي غيرها من البلدان.

 

أما رئيس جمهوريتنا التونسية المغلوب على أمره، كما يقال، الباجي قايد السبسي، الذي انتخبناه لأننا حاولنا التمييز بين «الأهم والمهم» فقد وقع سريعا تحت غواية الرئاسة والشيخوخة، ووقع في الأسر العائلي وأسر لعنة القصر الرئاسي بقرطاج، ونسي «الأهمّ والمهمّ»، وصرّح أخيرا، وهو في دولة ألمانيا الشقيقة الرقيقة، بمناسبة قمّة من القمم الدولية المغرم بالمشاركة فيها، صرّح بمناسبة العملية الإرهابية للفتاة التونسية المتخرّجة من الجامعة التونسية في اختصاص اللغة الأنقليزية، والمتخرّجة من الإسلام الغاضب في اختصاص القتل والإرهاب... يا خَوَرْ؟

صرّح رئيسنا الديمقراطي المنتخب الذي يعمل عند حركة النهضة كصانع للتوافق التافه، صرّح للإعلام الرسمي المصاحب له في حلّه وترحاله:

ـ «ظنّينا إلِّي أحْنا قْضِينَا على الإرهاب، لكن في الحقيقة، إن شاء الله، هُوَ ما يِقْضِيشْ عْلِينَا»...

وأضاف الرئيس في تصريحه المتلفز:

ـ المناخ السياسي سيّء في الحقيقة، الإرهاب مازال قائمْ في قَلبْ العاصمة...

صرّح بذلك بعد أربع سنوات من حكمه ورئاسته وندائه، وثماني سنين من وجوده في قلب الثورة التونسية وتمثيلها في المحافل، والتمثيل بنا في الإعلام، كما يشتهي؟

 

بالشفاء لحركة النهضة حكمها وسيطرتها على البلاد التونسية.

ولكن ليكن في علمها واعتبارها وضميرها السياسي أن السبيل الدعوي الديني الذي أوصلها إلى حكم تونس من خلال تسفيه وتشنيع وتكفير مسيرة البلاد وشعبها ونخبتها واستقلالها من الاستعمار الفرنسي المباشر، هو بالضبط الذي سيقضي عليها نهائيا.

فحركة النهضة التي قسّمت الشعب التونسي بين علمانيين وإسلاميين، لغاية في نفس الشيخ يعقوب، كانت تلك الحركة، حركة النهضة، تُعتبر في تصنيفات دولة الاستقلال برمزيها بورقيبة وبن علي، تصنّف حركة إسلامية إرهابية انقلابية خطيرة على العرب وعلى المسلمين وعلى البشرية والإنسانية قاطبة، فصارت حركة النهضة وهي في السلطة تعتبر نفسها حركة «إسلام ديمقراطي»، وهي تدرك جيّدا أن هناك في بطن المجتمع التونسي، حركات إسلام سياسي تتخلّق في الأرحام وتتغذّى من الكره والحقد والعنف والإرهاب والتكفير، بما يذكّر النهضة بشبابها ويذكّر الشيخ بصباه؟.

 

حين ألخّص عنصرا من عناصر الحكاية الوطنية فليس معنى ذلك أنني لخّصت كل الحكاية الوطنية وأوجزتها، التلخيص دائما يكون لفتح الشهيّة لمزيد المطالعة والتعرّف على أطوار ما حدث... مع اعتذاري عن كل تقصير في التلخيص.

إن حركة النهضة التونسية، الاتجاه الإسلامي سابقا، الجماعة الإسلامية الأسبق، إذا لم تتحلّ بالشجاعة الإسلامية والضميرية والأخلاقية والمعرفية المطلوبة لتعترف للشعب التونسي ولكل الشعوب العربية والإسلامية والدولية بالأسباب الحقيقية التي جعلت الحركة تنقلب على نقيضها، وتسفّه نفسها بنفسها، لكي يستفيد كل المسلمين والعالم أجمعين بهذه المسيرة التونسية «الفريدة» لحركة تدّعي أنها تونسية وتمثّل التوانسة، في مسيرة يمكن أن يكون لها ضمير إنساني، طالما أنكره راشد الغنوشي، خصوصا عند كتابة فصول دستور الثورة، حيث لم يعترف نواب حركة النهضة ونائباته بأن التونسيين والتونسيات، الأحياء منهم والأموات، يمكن أن يكون لهم ضمير إنساني يسمح لهم بالحكم الرشيد والاختيار وتحمّل المصير؟

فأرحام «الإسلام الغاضب» وبطونه، التي يعرفها الشيخ الزعيم، دائما تنجب أجيال جدد من شباب الدعوة وشباب الجماعة وشباب الاتجاه الإسلامي الذي يجدد مصادره ومنابعه وفتاويه في التكفير والقتل والخروج على الدولة وممارسة الإرهاب في أبشع صوره وما لا يخطر على بال. على بال الشيخ راشد الغنوشي، ربّما، وهو يدعو المسلم الذي لا يستسلم في الخطاب التعبوي التجييشي المحارب، ويدفع حياته ثمنا وقربانا لخطاب الشيخ. في حين أن الشيخ الزعيم يسلسل السلسلة وهو ينزع عمامة الشيوخ والجُبّة في الجُبّ، ويطالب القوم بالاعتذار له ولحركته، ويطالب بالتعويض، دون أن يرفّ له جفن، وهو يفعل ما يفعله في البلاد التونسية ودولتها وشعبها، في السابق والراهن واللاحق دون أن يذكّر أو يتذكّر:

ـ لو دامت لغيرك لما آلت إليك... ويا ظالم لك يوم، فالله، تعالى، سريع الحساب والعقاب، في الدنيا قبل الآخرة، حتّى وإن حكمت في «تونس السكرانة» بمشيئتك المطلقة والعربدة المتفاقمة، فالفاتورة لا مهرب منها. كن على يقين، فيما لو كان لنا يقين بشيء من الأشياء غير يقينك بأنك ربّ الأرباب في البلاد، أيها الفرعون التونسي الصغير، العابر في كلام عابر، في تنظيم دولي عابر.

 

وقد تكون لنا عودة لمزيد التوسّع والموجز المختصر فيما تعانيه تونس من خور.