الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


نقاط وحروف
من «نحبك هادي» إلى «ولدي»

محمد بن عطية يفكّك البنية العميقة للتسلّط


بقلم: كمال الشيحاوي

على حداثة تجربته السينمائية (فيلمان طويلان وبعض الأفلام القصيرة) نجح المخرج التونسي «محمد بن عطية» في بلورة ملامح مميّزة له في مدوّنة السينما التونسية. ويمكن القول أنّه وجيله من السينمائيين مثل «ليلى بوزيد» و«نصر الدّين السهيلي» و«رجاء لعماري» يؤسسون لموجة جديدة في السينما التونسية شبيهة بالموجة التي قادها «النوري بوزيد» في ثمانينات القرن الماضي. ويكمن وجه الشبه حسب تقديرنا في الجرأة على طرح السؤال الأكثر مرارة: ماذا تغيّر؟ ومحاولة الإجابة عليه فنّيا بشكل بسيط وصادم وغير متوقّع في نفس الوقت.

لنتذكّر أنّ موجة أفلام الثمانينات مع «النوري بوزيد» و«فريد بوغدير» و«مفيدة التلاتلي» و«محمد الزرن» قد نجحت في الكشف عن الحواجز والعقد النفسية والدّينية والأخلاقية والاجتماعية وما تركته من تشوّهات في جسد المجتمع التونسي كانت من الأسباب الثقافية والتربوية لفشل مشروع التحديث فيه والذي انتهى سياسيا كما هو معروف بشكل «دراماتيكي» بتغيير رأس السلطة في 1987.

وفي مواجهة الصعوبات والتحدّيات التي فرضتها ثورة 2011 سعى «محمد بن عطية» من وجهة نظره لمحاولة الإجابة عن أسباب عجزنا ثقافيا وتربويا عن تحقيق انتقال سياسي وديمقراطي وحضاري سليم ومتوازن يحمينا من العنف والتطرّف والإرهاب.

قد يبدو هذا الكلام غير مفهوم وربّما مبالغ فيه لمن شاهد فيلمه الطويل الأوّل «نحبك هادي» (توّج في مهرجان «برلين» الدولي) وجديده شريط «ولدي» الذي يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان أيام قرطاج السينمائية في دورتها التي ستنطلق هذا الأسبوع، ولكن بشيء من الصبر والتدبّر للّغة السينمائية سنكتشف أنّها حكايات وحوادث بسيطة، تحدث دائما في الحياة اليومية للعائلات التونسية ولكنّ ذكاء المخرج يكمن في قدرته على تنبيهنا لخطورتها وأبعادها الثقافية وخاصة مداها الدّلالي الذي يتجاوز الخاص ليشمل بنية المجتمع التونسي بأكمله. فالأمّ/ المتسلّطة، قامت بالدور «صباح بوزويته» في فيلم «نحبك هادي» لم تكن سوى أحد وجوه بنية التسلّط والقهر والهيمنة التي يعاني منها المجتمع التونسي في مختلف جوانب حياته. وهي بنية ذهنية وسياسية وليست «ذكورية» بالضرورة. والأمّ التي استبطنت دور الأب/السيد/ لا تريد فرض زواج تقليدي على ابنها من البنت التي اختارتها من أجل مصلحته كما تقول وإنما من أجل مصلحتها هي ومصلحة العائلة والطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها. وهي أي الأمّ لا تحب ولدها لذاته، وإنما تحبّ إدامة سلطتها وسلطة العائلة عليه.

ويتعمّق التفكير في هذا الموضوع سينمائيا في شريط «ولدي» الذي نعتبره استكمالا لفيلم «نحبك هادي» من هذه الناحية. فحبّ الوالدين ورعايتهما المفرطة وخصوصا من قبل الأب لشؤون ابنهما الذي يستعد لاجتياز مناظرة الباكالوريا لم تكن تعبّر عن وضع عائلي متوازن على خلاف ما هو ظاهر. فلم يكشف فيلم «ولدي» عن مظاهر تآكل الطبقة الوسطى ماديا والتي تجاهد يوميا من أجل تحقيق الحدّ الأدنى من الحياة الاجتماعية الكريمة (يستعمل الأب تذاكر الأكل التي تمنح له لشراء احتياجات عائلته ويضطرّ لإرشاء عون المرور حين يكتشف أنّه لم يدفع بعد معلوم تأمين سيارته الشعبية...) وإنما كشفت أيضا عن بعض مظاهر بؤسها العاطفي والنفسي، فالأم التي تعمل أستاذة تبدو حزينة، غير راضية عاطفيا وجنسيا، مستسلمة لحياة زوجية رتيبة ولا يختلف الأب عنها في ما يظهره من عناية مبالغ فيها بابنه بحيث يبدو ذلك الكم العاطفي الهائل تجاه الولد وكأنه تعويض عن هذا النقص الفادح الذي يعلنه صراحة لإحدى زميلاته في العمل (قامت بالدور «إيمان الشريف») وهو يحدّثها عن برود علاقته بزوجته وانتهاء كلّ علاقة حميمة بينهما.

ورغم ما يبدو على هذا الزوج «الأب والأمّ» من حرص على مستقبل ابنهما الدّراسي وتفكير في الآفاق التي يمكن أن يرتادها بعد الباكالوريا إلاّ أنّهما لم يدركا أنّ هذه العناية المفرطة وهذه المبالغة في الاهتمام به قد تحوّلت إلى سجن لا مرئي يحاصره في كلّ مكان. وبقدر ما يبدو خبر التحاق الابن بجماعات الإرهاب في سوريا مفاجئا للوالدين كما لجمهور الفيلم على اعتبار أن الابن قد حظي بكل مظاهر العناية والمحبّة والاهتمام إلا أن هذا الاختيار في تقديرنا كان صائبا وذكيا من قبل المخرج لا لأن الواقع يؤكّد التحاق شباب من المتميّزين في مجالات عملهم (طب، هندسة، فنّ «راب»...) ومن عائلات ميسورة مادّيا فحسب وإنما لأنّ هناك جوانب هامة في الحياة والتربية كثيرا ما نتناساها ونغفل عن خطورتها. وفي فيلم «ولدي» نجد بعض عناصر الإجابة. فالشاب لم يكن يستبطن شعورا بالأسى تجاه والديه المتعبين مادّيا فقط وإنما كان حزينا ومكتئبا أيضا بسبب حزنهما الذي يراه يوميا في وجوههما (لم يحدث أن شاهد مظاهر فرح وسعادة ومتعة، لم يلحظ بعض مظاهر السعادة الزوجية، بعض مظاهر اهتمامهما بنفسيهما، لقد نذرا حياتهما له وكأنهما ماتا أو لم تعد لهما حياة تخصّهما. وبالإضافة إلى ذلك فإن الولد كمّا عبّر عن ذلك في الحلم الذي جمعه بوالده لم يكن يريد أن يكون مستقبله شبيها بوالديه، لقد كان في حاجة إلى أحلام أكبر ويوطوبيا أعظم وقد وجدها مع الأسف في يوطوبيا التنظيم الإرهابي «داعش».

وسواء كنّا مع «النوري بوزيد» و«فريد بوغدير» في ثمانينات القرن الماضي أو مع «محمد بن عطية» و«ليلى بوزيد» في ما بعد ثورة 14 جانفي على سبيل المثال لا الحصر فإنّنا أمام الدّرس الفنّي والسينمائي الجوهري وهو أنّنا لا يمكن أن ننجح في التحديث وفي الانتقال الدّيمقراطي وقبول الاختلاف وإدارة السلطة ما لم نتحرّر في ثقافتنا وتربيتنا من كلّ مظاهر التسلّط والهيمنة والقهر التي تتغذّى من بنية تفكير «أبوية»/ذكورية لا تؤمن بحرية الفرد واستقلالية قراره. ولا يمكن من ثمّة أن ننجح في استكمال الحرية السياسية والاجتماعية ما لم نستكمل تحقيق الحريات الفردية.