الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



هكذا أرى

أنا أساند دعوة «يوسف الصديق» الى تكوين جبهة ثقافية


بقلم : محمد مصمولي

دعوة مفكرنا التونسي «يوسف الصديق» الى تكوين «جبهة ثقافية» موحدة هي، دون شك، دعوة مغرية وبالتالي جديرة بأن يتعامل معها أهل الثقافة بما تستحقه من جدية الإهتمام وذلك لحاجة البلاد، في وضعها الكارثي الحالي، الى قيادة رمزية أخلاقية.. وفكرية يقوم فيها أهل الفكر والفن بدورهم الإيجابي في إنقاذ ما يمكن إنقاذه.. عن طريق التوعية والتنوير للرأي العام بواسطة المناقشة والفحص ونقد الأوضاع التي تواجه مجتمعنا التونسي.. وتشغل بال الجماهير.. وتشكّل الحياة الإجتماعية والسياسية، في الحاضر والمستقبل.

وقد تثير هذه الدعوة التي دعا اليها يوسف الصديق سخرية واستخفاف أهل السياسة المعادين للثقافة المهمشين والمثقفين.. وذلك لاعتقادهم بأنّهم هم القادة الحقيقيون للشأن العام والحاكمون بأمرهم ..

بل إنّ دعوة «يوسف الصديق».. الى تكوين «جبهة ثقافية» قد لا تحظى بموافقة بعض الأكاديميين مثل الدكتور «فتحي التريكي» الذي يرى أنّ قيام المثقفين بتكوين «جبهة ثقافية» سيحولهم الى سياسيين وبذلك يفقدون صفتهم كـ«مثقفين» أو مثل الدكتور «شكري مبخوت» الذي يرى أنّ دور المثقفين هو نقدي بالأساس، وأنّ مهمتهم هي كتابة وإنتاج الأفكار.. فقط، وليس الا..!

وقد يكون هذا صحيحا بعض الشيء لكن ما لا شك فيه أيضا هو أن المثقف الذي يمكن أن يعمل في هذه «الجبهة الثقافية» أو في جمعية ما.. أو حزب ما.. لا يفقد بالضرورة صفته «كمثقف» ويتحول الى سياسي فحسب.

أمّا حصرُ عمل المثقفين في كتابة وإنتاج الأفكار فقط فهذه حقيقة لا شك فيها.. لكن ما دعا إليه يوسف الصديق هو إعادة «سلطة المثقف».. وفاعلية الفعل الثقافي في هذا الظرف الإستثنائي لفشل السياسيين.. في إدارة الشأن العام بالبلاد وللخطر الذي يهدد البلاد والعباد..

فالثقافة فعل إعتراض على الركود والسكون والأفكار البالية.. لأنّها دعوة مجددة الى المعرفة ولأنّ المعرفة تقيم أسس الوعي، ولأنّ الوعي يجدد أفق الحرية التي هي شرط من شروط الفعل الثقافي التنويري..

ولأنّه لا ثورة ولا إنتقال ديمقراطي بغياب الثقافة والمثقفين، أو بتراجع دور المفكرين ورجال الثقافة والإعلام والتربية وعلوم الإجتماع. فإنّ دعوة يوسف الصديق يصبح لها أكثر من تبرير موضوعي واحد.. وذلك على الأقل لتحريك سواكن الوضع المتردي الذي أفسدته.. تجاذبات السياسيين، وأطماع بعض رجال الأعمال ومؤامرات سماسرة المتاجرة بالمقدس وشعبويات «الثورجيين» الحمقاء..

وبكلام أوضح، فلا بدّ من مناخ لإيصال صوت المثقفين، ونقدهم ورؤاهم الى الرأي العام.. وذلك ليس فقط في مجال اختصاصهم الفكري والإبداعي، وإنما أيضا في كلّ ما يتعلق بقضايا المجتمع... ومشاغل الجماهير... في واقعهم الراهن وفي مستقبلهم المنشود... وفي احساسهم بالخوف على البلاد والعباد من المجهول...

 

... والمؤسف في بعض الأوساط الثقافية خارج حدودنا العربية، أي في الغرب.. هو أنّه يسود جوّ تشاؤم حول وضع المفكرين في المجتمع المعاصر... مقارنة بما كان عليه هذا الوضع في القرن الماضي ... حين كان رجال الفكر الكبار ينقدون من خلال مواقفهم ومحاضراتهم وكتبهم كلّ ما مِن شأنه أن يعرقل عجلة التاريخ... أو يقف حجر عثرة في طريق التقدم... والحداثة.

فهذا يعني، كما أثبتت الوقائع ذلك أن تراجع دور المثقفين ليس ظاهرة عربية أو تونسية بل هو ظاهرة كونية تشمل أقطارا في أوروبا والولايات المتحدة... وفي غيرها...

ولغياب قامات ثقافية كبرى..مثل سارتر وكامو في فرنسا، أو طه حسين وسلامة موسى في الوطن العربي أو الطاهر الحداد في تونس فربما تكون «جبهة ثقافية» في تونس... ستوفر بديلا ضروريا وايجابيا لفاعلية الفعل الثقافي ... شريطة ألاّ تكون هذه «الجبهة» حِكْرا على الجامعيين أو المبدعين فقط... بل أن تتسع لأنماط أخرى من الناشطين في مؤسسات المجتمع المدني... من خبراء في علوم التربية، وفي علوم الإخبار، وفي علم الاجتماع الخ...

لذلك فأنا أساند دعوة يوسف الصديق، مساندة كاملة.