الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



أفكار

لا عزاء للكبار...


بقلم : منيرة رزقي

ودّعت الساحة الثقافية المنصف لزعر الوداع الأخير وتوقفت الشاشة الصغيرة بعض اللحظات مودعة فتاها الأول الذي وهبها مسيرة امتدت ما يربو عن أربعين عاما دشنها بالزورق الصغير الذي أبحر به وغاص اليم الكبير ليصنع مغامرته الفنية التي لاشك انه كان مخلصا جدا فيها وتجلى هذا من خلال أعماله قبل أن يأوي إلى الظل مضطرا وتلك حكاية أخرى.

وما كان لافتا خلال الوداع الأخير للفنان القدير حقا هو الشهادة المقتضبة التي ربما مرت مرورا عابرا ولكنها حقا كانت كلمة مؤلمة للفنان عبد الحميد قياس الذي قال ما معناه أن «الشيوخ وحدهم حضروا الجنازة وسط غياب كلي للفنانين الشبان الذين يبدو أنهم غير معنيين بحضور الجنائز عموما وغير معنيين بمصير الكبار».

وهنا مفارقة لافتة فغياب نجوم الشباب سواء من الجيل الجديد الذي انخرط حديثا في المجال الفني أو من جيل الوسط من النجوم الذين يصنعون اليوم الدراما التونسية يستحق حقا التوقف عنده.

فالمنصف لزعر الذي كان في مرحلة ما نجما بكل ما تكتنزه هذه الكلمة من معان جدير بأن يكون بمثابة القدوة والمثل للكثير من النجوم وأن يستلهموا منه وأن يتأثروا لرحيله وأضعف الإيمان أن يكون حضورهم كبيرا في جنازته.

ولكن هذا ما لم يحدث وهو يشي بحالة نكران الجميل السائدة في الوسط وبحالة تضخّم الأنا وعدم إحترام الأجيال المؤسسة في كل المجالات.

وهذا ما ساهم بشكل كبير في فقر المشهد الثقافي من رموزه من الأجيال السابقة التي إنكفأ جلها على نفسه ونأى بعيدا بعد أن إنحسرت الأضواء عنهم وغادرهم الإعلام الذي يتذكرهم عندما يرحلون.

وبذلك نكون أوفياء لمقولة كاتبنا الراحل الساخر علي الدوعاجي «عاش يتمنى في عنبة مات جابوا له عنقود» ورغم مرارة هذا القول وما يختزله من رداءة في المشهد الثقافي عانى منها الدوعاجي ورفاقه من جماعة تحت السور منذ ثلاثينات القرن الماضي، رغم ما قدموه من إغناء وثراء للمشهد الثقافي بفضل إبداعهم وفنهم الخالد إلا أنهم عانوا من الجحود ومن التجاهل وأيضا من النقد الهدام قبل أن يحتضنوا جراحهم ويرحلوا محرومين من حبة عنب في حياتهم، قبل أن توضع سلال العنب على قبورهم .

وهو فعل لا معنى له وربما يعكس نفاق ودجل بعض الفاعلين في الساحة الثقافية الذين يركضون وراء الظواهر العابرة ولا يلتفتون إلى العمق.

وكان الكبير منصف لزعر من بين هؤلاء الذين تنكر لهم ذوو القربى من أهل الفن حيا وميتا فقد لمع نجمه في أواسط السبعينات وقدم الكثير من الأعمال المهمة والمؤسسة وفتح الباب بذلك لغيره من الأجيال التي أتت بعده.

وكان بمثابة الفتى الأول في الشاشة الصغيرة خلال مرحلة السبعينات ولم يخفت بريق نجوميته حتى عندما غاب قليلا وعاد وهو في أوج العطاء ممثلا وكاتبا محاولا صوغ تجربة فنية تليق بخبراته ونضجه .

ولكن الأضواء سرعان ما إنحسرت عنه في العشرية الأخيرة بعد أن بات صنّاع الدراما يركضون وراء نجوم جدد مأخوذين ببريقهم الزائف وقد نسوا أو تناسوا أن لكل عصر فرسانه لكن القطيعة أو الهوة بين الأجيال لا تخدم أحدا والفنان الحقيقي هو ذاك الذي يستفيد من تجربة من سبقه ويتعلم منها ولا يتم ذلك سوى بالتعامل والتعاون فنيا دون خضوع لمنطق الشللية والزبونية.

وهذه حالة جلّ الفنانين الذين رحلوا في صمت بعد أن تركوا لمصيرهم وعانوا من الوحدة وقسوة المرض والإحتياج في المرحلة الأخيرة من أعمارهم وقائمتهم طويلة وحتى الدولة تخلت عنهم ولم تتكفل حتى بمداواتهم على حسابها وإنخرطت في تشجيع ودعم أشباه المواهب والتظاهرات التي تصنّف من قبيل الفلكلور والتمسرح وليس الإنتاج الفني الراقي.

وهذا ما عانى منه منصف لزعر في الأعوام الأخيرة من عمره عندما تجاهله بعض المخرجين رغم موهبته وتميزه ورغم وجود أدوار ملائمة له في عديد الأعمال وربما هذا ما خلف في نفسه الكثير من المرارة كما يقول بعض أصدقائه أو المقربين منه الذين لاحظوا ذلك بعد أن خفتت الأضواء من حوله وهو ككل فنان يعز عليه مثل هذا السلوك.

وهذا التجاهل لاحظه المتفرج العادي أو المتابع للشأن الثقافي في جنازة منصف لزعر الذي كان يمكن أن تقام له جنازة مهيبة وهو الذي تربت أجيال كثيرة على أعماله الفنية ولكن غابت وجوه كثيرة من النجوم الذين يفترض أن يجلوا هذا الرجل فنيا وإنسانيا وأن يكون وجودهم أساسيا في رسالة على الأقل للرأي العام الثقافي تحيل على القيم السائدة بين الفنانين ولحمتهم وليس هذا فحسب فلم نلمس وفاء ولا تقديرا ولا إشادة سوى من قبل بعض «الكبار» أو جيل معين من الفنانين من مجايلي الفنان الراحل أو ممن عرفوه عن كثب و أصغر قليلا منهم وهو ما عبّر عنه الفنان عبد الحميد قياس بمنتهى المرارة والصدق وكانت كلمته إختصارا لملامح المشهد الثقافي عندنا والذي يمكن بإيجاز وصفه بأنه لا عزاء فيه للكبار مهما علا شأنهم.