الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



على وزن الريشة

رسالة إلى رئيس الحكومة الذي ينتهكنا ويجوّعنا؟


بقلم: حسن بن عثمان

سيدي رئيس الحكومة يوسف الشاهد، بعد السلام،

أنا حسن بن عثمان. رئيس تحرير أوّل بجريدة «الصحافة اليوم» بمؤسسة «سنيب لابراس»، أصالة عن نفسي ولا أنوب أحدا، أخبركم أنه مازال لي أقلّ من ثلاثة أشهر على التقاعد ومغادرة هذه الحرفة الصحفية الحرّيفة بصورة رسمية، دون التقاعد عن الكتابة والإعلام، فأنا محترف كتابة يموت وهو يكتب.

ثم، أعلم سيادتك أنه للشهر السادس على التوالي في هذه السنة 2018 يتعمّد الرئيس المدير العام الجديد، الذي عيّنتموه أنتم على رأس المؤسسة، التأخير في صرف المرتب الشهري لكل العاملين والموظفين والصحفيين بالمؤسسة العمومية. ويشاع أن ذلك يعود لأوامركم من أجل تركيع وتجويع وإهانة الصحفيين ومغالبتهم وعقابهم بإذلالهم في المؤسسة العمومية الإعلامية، نظرا لأنهم يستقلّون بخط تحرير لا ينال إعجاب فريقك الإعلامي، وبالتالي لا ينال رضاك ويثير استياء سيادتك ونقمتك في غياب نعمتك.

ثم، أعلم سيادتك أن هذه الأمور وهذه الملابسات لا يهمّني منها إلا شيء واحد وحيد هو أنني تعاقدت مع «سنيب لابراس» منذ ربع قرن (خمس وعشرون سنة) خلت، من أجل أن أقدّم لها خدمة صحفية مستقلّة، ذات جودة، تدفع لي مقابلها أجرا معلوما في كل آخر شهر، وما يحتويه العقد الرسمي الوظيفي، الذي صار انتدابا قارّا، من حقوق إدارية متبادلة بين الأجير والمؤجّر.

المؤسسة الإعلامية التي أشتغل فيها هي مؤسسة عمومية تعود بالإشراف إلى الوزارة الأولى سابقا، رئاسة الحكومة حاليا، وكل تلاعب من قبل رئاسة الحكومة التي ترأسونها بأجري الشهري، بشكل ظالم مهين تعسّفي، فستترب عنها لعنة سوداء ستلاحق ذكركم إلى أبد الآبدين، أنتم والفريق الحاكم، في كتاب مكتوب، سطّرنا حروفه.

انتهت الرسالة للسيد رئيس الحكومة مع تمنياتي له بسداد الرأي وسديد النظر.

بعد انتهاء الرسالة للسيد رئيس الحكومة يهمني أن أطرح بعض التساؤلات الصحفية الحارقة حول وضعية علاقة رئاسة الحكومة بمؤسسة «سنيب لابراس» الإعلامية، وخصوصا منها جريدة «الصحافة اليوم»، وبالتالي علاقته بالإعلام العمومي كلّه الذي ظلّ طيلة الثورة ملفا من ملفات الفساد المسكوت عنه، من قِبَلِ كل الحكومات والرؤساء الذين تولّوا الحكم بعد يوم 14 جانفي 2011.

سبق أن صرّح رئيس الحكومة الأوّل خلال الثورة الباجي قايد السبسي حين تسليم عهدة رئاسة الحكومة للإخوانجي حمادي الجبالي، بأن حكومة الباجي تفادت فتح ثلاثة ملفات، هي: ملف الإعلام وملف القضاء وملف الأمن...

وقد سبق أن قابلت السيد الحبيب الصيد رئيس الحكومة إثر تعيينه على رئاسة الحكومة في جمهورية الباجي قايد السبسي، قابلته بحضور الزميلين الطيّب اليوسفي رئيس ديوان رئيس الحكومة، وظافر ناجي المستشار الثقافي والإعلامي لرئيس الحكومة، وحين سألني سي الحبيب الصيد عن طلباتي أجبته بأن طلبي الوحيد هو فتح ملف مؤسسة سنيب لابراس، المؤسسة الإعلامية التونسية العريقة الرائدة التي وقع تفليسها وانتهاكها وتخريبها ماديا ومعنويا، وتداول عليها المجرمون قبل الثورة وخصوصا بعد الثورة، فهي مثال ساطع على فساد رهيب عمّ البلاد بصورة غريبة في آخر عهد السابع من نوفمبر، واستشرى الفساد المالي والإداري فيها بعد ثورة الربيع العربي/ العبري استشراء فظيعا، لا يطاق.

وعدني السيد الحبيب الصيد رئيس الحكومة حينذاك خيرا، ويبدو أن الأحداث تسارعت به فلم يفعل شيئا في هذا الصدد، وخرج من رئاسة الحكومة وترك الأمور على حالها.

بمجيء السيد يوسف الشاهد رئيسا للحكومة خلفا للسيد الحبيب الصيد استبشرنا خيرا كحالنا دائما في التفاؤل والاستبشار، عسى أن هذا الرئيس الشاب بقامته الفارعة وعينيه الخضراوين الزرقاوين المليحتين، الذي بادر بإعلان أن برنامجه في الحكومة يتلخّص في محاربة الفساد، عسى أن يحارب الفساد، كما تفاءلنا؟

مع التفاؤل، كان يلازمنا هاجس مؤرّق حائر يتمثّل في:

ـ هل يعرف رئيس حكومتنا الشاب ما هو تعريف الفساد في الواقع التونسي وكيف يحدّده وكيف يحاربه وبأي أسلحة ورجال ونساء وجهاز سيحاربه؟

وكنا ولازلنا نؤمن أن الشباب هو المستقبل وهو الحلّ؟ نؤمن بذلك خلاف الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الذي سبق أن صرّح أنه لا يثق في شباب تونس، لأن شباب تونس تربّى في دولة الاستقلال والتفسّخ والانحلال؟

فهل خاب إيماننا وظنّنا؟

عوض أن يباشر رئيس الحكومة ملف الفساد في الإعلام العمومي سارع بمحاولة الاستفادة من فساد الإعلامي العمومي والإعلام الخصوصي، وتحويله إلى الولاء الأعمى لحكومته وسياسته، بمشورة مستشاريه في السياسة والإعلام ودائرته الرسمية المغلقة، وبعضهم ممن ساهموا في تدمير كل الحكومات التي شهدتها الثورة، فضلا عن تدمير نظام السابع من نوفمبر والإطاحة برأس نظامه، من فرط غبائهم الإعلامي وأنواتهم الفاشلة في الإعلام على مرّ العهود والحكومات.

هكذا التجأ رئيس الحكومة الذي برهن أنه يضيق بالنقد الصحفي من جهة رسمية تتبعه، إلى الحيلة والضرب تحت الحزام وتعميق سيرورة الفساد، فعيّن رئيس مديرا عاما لمؤسسة «سنيب لابراس» من أبنائها المحالين على التقاعد منذ أكثر من عشر سنوات، قبل الثورة، لكي يصفّي له حسابه مع المحررين والعاملين في المؤسسة الإعلامية الحكومية ويقوم بإذلالهم في مرتباتهم إذلالا ممنهجا حقيرا .

ولم يكن التعيين الجديد لرئيس مدير عام جديد على رأس المؤسسة منذ حوالي ستة أشهر، في بداية سنة 2018، من أجل البحث عن إيجاد حلول جوهرية تنقذ مؤسسة إعلامية عمومية تونسية عريقة تأسست في عام 1936 من قبل المواطن التونسي اليهودي هنري صمادجة Henri Smadja ، بل كان تعيينا بغاية التنكيل والانتقام من الخط التحرير لجريدة «الصحافة اليوم» تحديدا، انتقام مَسَّ كل المنتمين للمؤسسة بلسانيها الفرنسي والعربي، وضيّق عيشهم ونكّل بهم في نهاية كل شهر، فضلا عن حقوقهم الإدارية والمالية الأخرى.

والحقيقة فإن ما يؤلمني كثيرا يتجاوز حكاية المرتّب والشهرية في رأس كل شهر، نبذل ما وسعنا الجهد من عرق الكتابة لكي يكون أجرنا الشهري حلالا، بلا أدنى غشّ واحتيال. فأنا مثلما سبقت الإشارة على أبواب التقاعد، ويمكنني الانتظار ثلاثة أشهر قادمة لألتحق بالتقاعد وشعب المتقاعدين الرسميين الذين تصلهم مرتباتهم في نهاية كل شهر، ولا يمكن لرئيس الحكومة الراهن التلاعب بمرتبات المتقاعدين، ولكن يمكنه التلاعب بمرتبات الإعلاميين المباشرين للعمل في المؤسسات العمومية التي تتبعه، والذين لم يسل لعابهم لأموال مشبوهة، ولا لأموال رئيس الحكومة، كما يشاع، التي يبذلها لمكافأة من يلتزم بخط تحرير تصنعه القصبة والقصّابين والجزّارين الإعلاميين المخصيين من الحضور الإعلامي وتسجيل بصمتهم الخاصة طيلة وجودهم المهني المهين، الذي أمضوه في الدسائس والوقيعة وابتزاز البلاد والعباد.

يؤلمني كثيرا أن رئيس حكومة شاب يركن للضباع البشرية المحترفة المحيطة به في دائرته الضيّقة التي تزداد عليه ضيقا وقطعا لكل الأنفاس، فيتبنّى مشورتهم القاتلة، ويدخل في صراع أبله أحمق شديد السخافة مع الصحافة، ويجوّع وينكّل بمنبر صحفي تونسي يتبعه، لأنه من الإعلام العمومي التابع لرئاسة الحكومة، مع أنه كان في إمكان رئيس الحكومة يوسف الشاهد أن يتواضع قليلا ويعمل قليلا من السياسة والكياسة ويستدعي رئيس تحرير جريدة «الصحافة اليوم»، السيد الهاشمي نويرة، رئيس تحرير الجريدة المباشر، المنتخب من قبل زملائه المباشرين، من أمثالي، في سابقة بلا مثيل في الصحافة التونسية العمومية والخاصة في انتخاب رئيس تحرير لمنبر عمومي، وحدث ذلك مع الزميل لطفي العربي السنوسي، ومن بعده الهاشمي نويرة، وهي سابقة أتاحتها الثورة التونسية، وهي ما تبقى من ثمارها النادرة في الكرامة الصحفية وحرية التعبير.

لو أن السيد رئيس الحكومة المعتدّ بنفسه كثيرا، وهذا جيّد في حدّ ذاته، إذا لم يبلغ الاعتداد بالنفس والنخوة والكبرياء مرحلة التكبّر والتجبّر، لو أنه تواضع لمحادثة مع رئيس تحرير صحفي منتخب، وسمع منه ما لا يقول له مستشاروه الذين لهم حساباتهم الذاتية الخاصة، المشروع من حساباتهم وغير المشروع، وانفتح رئيس الحكومة على مختلف الأصوات في حكومته ومؤسساتها ولم يستغرق في سماع الكيد والوشاية، لما دخل في هذا النفق من سوء الحوكمة والإدارة، ومع ذلك فإن تدارك الأمور وإعادتها إلى نصابها ليس مستحيلا، ومازال ممكنا لو توفّرت الإرادة الخيّرة.

هذه بعض الكلمات المكثّفة في رسالة صحفية مختصرة شئنا أن تكون هادئة ومحترمة في سياق غير هادئ وغير محترم، وكلّه إهانة و«تطييح قدر»، وحاولنا السيطرة على حروف الكتابة «الحرّيفة» حتّى لا تصبح سوداء قاتمة، في تمام السواد والعويل والنواح على ما نحن فيه من «هَوَانْ» و«حكم الإخوان» وتجويع مقصود مع سابق الإصرار والترصّد.

أما عبارة «الحِرِّيفَةُ» فهي تعني اللاذعة التي تُلهب اللسان.