الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



أفكار

وزارة الثقافة بين مدحيات بعض النواب وفقر الميزانية


بقلم : منيرة رزقي

اكتشفت فجأة أن جلّ نوابنا من الشعراء فعلا وليس هذا من قبيل المجاز وهو يقرضون النظم قرضا ويستعيدون مدحيات الشعر القدامى ، استوقفني أمرهم هذا وهم ينهمكون في تعداد مآثر وزير الثقافة الحالي الذين كنا من أول الذين راهنوا عليه وتوسموا خيرا فيه.

وكنا نعتقد ومن باب تقديم النوايا الطيبة أن الرجل قادر على التفكير في سياسات ثقافية ناجعة تقطع مع كل المظاهر القديمة لاسيما أنه مدجج بقدر كبير من المعرفة والعلم لذلك اعتقدنا أنه سيخوض معركة ضد القديم المتراكم ويتحلى بالجرأة اللازمة ليؤسس لثقافة تتسق مع السياق الجديد الذي تعيشه تونس اليوم.

لكن الخيبة كانت في انتظارنا واكتشفنا أنه ظل وفيا لأسلافه في الوزارة التي تشرف على حظوظ الثقافة في بلادنا والذين تعاملوا بمنطق فلكلوري واستعراضي لا يخدم قضايا المثقفين والمبدعين ولا يكسر قاعدة مركزية الفعل الثقافي في العاصمة والحواضر الكبيرة.

وها أن بعض أو جل نوابنا الموقرين يقدمون مدحيات في أداء وزير الثقافة ولكن فاتهم أن يبرزوا لنا نحن عموم التونسيين ومعشر المهتمين بالظاهرة الثقافية تحديدا مواطن التميز والفرادة في إدارة السيد محمد زين العابدين.

وبغضّ الطرف عن مظاهر النشاز التي باتت الخبز اليومي للنواب يتعاطون هذا الفعل كما يحتسون قهوتهم الصباحية ويمعنون في التمسرح عندما تجول الكاميرا في أروقة قاعة المداولات ويصبحون مثل نجوم السينما الذين تلتبس عندهم الحقيقة بالخيال من فرط التقمص.

فإن ما يعنينا في هذه المساحة هو ما ينفع الناس أما الزبد فهو سيذهب جفاء وما يمكث في الأرض هو الإنجاز والفعل والنجاعة وهذا ما نناقشه في شأن وزارة الثقافة التي تداول النواب مؤخرا ميزانيتها وهي لا تكاد تذكر ونستحي حتى من مجرد إيراد النسبة المخصصة لها .

فنحن بلد لازال يعتبر الثقافة من الكماليات ولا يعتبرها مساندا للتنمية والنهوض وبناء الإنسان التونسي الذي تتقاذفه الأهواء ذات اليمين وذات الشمال.

يحدث هذا في ظل غياب سياسات ثقافية تلامس معاناة الناس وأوجاعهم ولها قدرة على صنع الأحلام والتعبير عن الأمنيات المعلقة.

ولهذا بدت لنا مفارقة عجيبة أن يطنب الوزراء في مدح وزير لا نرى داعيا للثناء عليه حتى وإن قدم بالفعل منجزا فهذا من المفترض أنه واجبه ولا يستحق شكرا فائضا وسخيا عليه.

ومن ملامح هذه المفارقة أن القضايا المتصلة بهذه الوزارة لا تعد ولا تحصى وأغربها هو غلق دور الثقافة في نهاية الأسبوع وهو أمر لافت فهذه الدور التي تكونت فيها نخبة من مبدعي تونس ومثقفيها من مختلف الأجيال واستنارت بالأفكار التحررية والتقدمية تعامل اليوم بمنطق «إدارة عثمانية» دون مراعاة لخصوصية دورها ولطبيعة الجمهور الذي يرتادها وهو في معظمه من الشباب التلمذي والمدرسي والذي يجد متنفسا له في أروقتها خاصة في مدن الداخل التي لا تتيسر سبل الترفيه والتثقيف فيها.

لكن الفاعلين في الشأن الثقافي لا يبدو الأمر مؤرقا لهم وهم يتعاطون بشكل ميكانيكي مع الثقافة وهذا ما خلق الفراغ السائد اليوم في مختلف أوجه حياتنا وجعل الشباب يفر إلى الغلو بمختلف تمظهراته ونلمح ذلك في أشكال الانحراف والتطرف والظواهر الإجرامية العنيفة ، التي غالبا ما كررنا أن للثقافة ضلع كبير في مقاومتها والانتصار عليها.

أما بالنسبة إلى المهرجانات التي تشرف عليها وزارة الثقافة والتي تناسلت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة فإن أغلبها ليس سوى إهدار للجهد وللمال العام الذي يمكن أن تكون له مصارف أخرى ثقافية قطعا ولكنها أكثر فائدة ونجاعة غير أن بعض المستفيدين من هذه التظاهرات يهمهم أن تتواصل وأن تزيد عن المستوى العددي وأن تظل على نمطيتها القديمة حتى تظل تدر عليهم ما تيسر من المنافع والامتيازات.

ولا يهم قطعا النقد الموجه إلى هذه التظاهرات التي تبدو في غالبيتها خالية من المضمون والمعنى. وفي الأثناء سيواصل قطاع الثقافة تدحرجه كما تدحرجت قيم كثيرة رمزية في بلادنا وستظل الأصوات المادحة قوية وصادحة أيضا.