الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


أرى ما أريد
على هامش خريف الغضب الفرنسي :

درس ماكرون لأصحاب المهارات الإتصالية ...هل من متّعظ ؟؟؟


بقلم : منيرة رزقي

هبت رياح عاتية على عاصمة الأنوار وعصفت بالكثير من الأفكار والاعتقادات التي كانت تجاور اليقين في أذهان البعض من ضمنها الاستقرار في أعتى الديمقراطيات وكذلك القدرة على السيطرة على أي إنتفاضة سواء كانت كبيرة أم محدودة دون اللجوء إلى العنف المشروع الذي تحتكره الدولة.

ولكن هذا اليقين أو هذا الاعتقاد الذي كان بعضنا يظن أنه بديهي سقط إلى غير رجعة تحت أحذية البوليس الفرنسي وهو يطارد أصحاب السترات الصفراء ويمارس عنفا تجاوز قطعا حدود المشروعية وتعالت صرخات الفرنسيين بأن ماكرون لم يعد رئيس الأغنياء فقط بل رئيس الأثرياء جدا.

إذن تهاوت صورة ماكرون وهو الذي اشتغل عليها كثيرا في وسائل الإعلام التقليدية وفي وسائط التواصل الجديدة وهو لم يفوت فرصة ليظهر في أبهى صورة محاولا توظيف المهارات الاتصالية لفريقه خدمة له.

فهذا الشاب الوسيم الذي كسر كل سرديات السياسة الكلاسيكية في بلد جون جاك روسو جاء مدججا بأفكار مختلفة ساعيا الى استغلال مهاراته الشخصية في فن التواصل وبمساعدة فريق محترف في مجال الاتصال نجح في أن يحقق نجاحا كاسحا ويصل إلى سدة الحكم في بلد دأب على تداول السلطة منذ عقود بين أحزاب معلومة قبل أن يعصف إيمانويل ماكرون بهذه القاعدة.

بل سفّه الرئيس الفرنسي بوصوله إلى قصر الإليزيه كل المقولات والثوابت وكان حقا مفاجأة للكثيرين.وبدا أن هذا الشاب الطموح قد نجح بفضل جهوده الاتصالية في إقناع الفرنسيين بأنه البديل أو الخيار الثالث.

ولم يدّخر ماكرون أي جهد ولم يفوت أي فرصة دون توظيفها لرسم ملامح صورته الاتصالية بشكل ناصع حتى أنه وظف بعض تفاصيل حياته الشخصية وتحديدا قصة حبه لمعلمته وارتباطه بها ومنحها لقب سيدة فرنسا الأولى ليكسر بذلك الطابع الرسمي الذي تميز به الأزواج الذي سكنوا قصر الإيليزيه قبله .

بل إن السيدة بريجيت ماكرون تمردت حتى على تفاصيل القصر وأرادت أن تغير طابعه الكلاسيكي وأصبح الثنائي ماكرون حديث الصحافة والإعلام وكانت هذه غاية الرئيس الشاب العاشق للظهور و«للكوم» أو فن التواصل مع الآخر.

لكن الأقنعة سقطت دفعة واحدة وعرت الانتفاضة المندلعة حاليا في باريس كل هنات سياسة ماكرون وسقطت ورقة التوت عنه. وبدا واضحا أن المهارات التواصلية ومحترفي مجال التواصل لا يصنعون رجل دولة ناجح إذا غابت السياسات الناجحة والناجعة في مجالات التنمية والعدالة الاجتماعية وضمان العيش الكريم للمواطنين وتفهم حاجياتهم.

وإذا كان الفرنسيون قد هبوا لانتخاب إيمانويل ماكرون متأثرين بصورته المبثوثة في وسائل الإعلام وواقعين تحت تأثير «سحره» الإتصالي فإن هذا لم يدم طويلا وها أنهم يرفعون شعارات قاسية ضده قائلين على لسان بعض المتقاعدين «المتقاعدة الوحيدة التي لازالت قادرة على احتمالك هي زوجتك» وهذا ينسحب على بقية المجتمع الفرنسي الذي يعيش هذه الأيام خريف غضب يبدو أن مآلاته لن تكون كما يشتهي ماكرون وفريقه الاتصالي.

وإذا ما رمنا تنزيل التجربة الفرنسية التي لازالت أحداثها فائرة في سياق مقارنة مع الواقع التونسي فإننا نلمح دون بالغ عناء اجتهاد بعض ساستنا في الإشتغال على أشكال تواصلية وإن كانت لا ترتقي الى مهارات ساسة الغرب إلا انهم يحاولون بها التغطية أو بالأحرى التعمية على تقصيرهم ومحدودية قدرتهم على إدارة الشأن العام وخاصة عجزهم عن مواجهة المشاكل الحقيقية للبلاد فيتم اللجوء إلى بعض المظاهر الشكلية التي من شأنها أن تجلب إنتباه عموم التونسيين لبعض الوقت دون أن تلغي قطعا إنشغالهم بالأزمة الخانقة على سبيل المثال.

ولأنه بالمثال يتضح الحال كما قال الحسن بن الهيثم قديما فإننا نتساءل :

ما جدوى امتطاء مسؤول كبير لسيارة تونسية الصنع بدعوى التشجيع على استهلاك المنتوجات التونسية في ظل عجز الدولة عن مواجهة البضائع الأجنبية المهربة التي تغرق السوق المحلية دونما رقيب او حسيب ...؟؟؟

وما فائدة هذه الصورة التي جابت وسائل التواصل الاجتماعي إذا لم تكن هناك سياسة دولة جادة وصارمة لدعم المنتوج التونسي بكل أشكاله ومقاومة كل أشكال التهريب بدءا بالأباطرة الذين يحركون خيوط اللعبة ؟؟؟

وما جدوى أن نروج صورا ويافطات في الشوارع عن الإصلاح في المؤسسات العمومية وهي تغرق وتستغيث دون أن يلتفت الفاعل السياسي إليها ودون إيجاد الحلول الكفيلة بإخراجها من المأزق الذي تردت فيه في ظل غياب الخطط والإستراتيجيات؟؟؟

ولأنه لا جدوى لكل هذا «الشو» الإعلامي والتكثيف الاتصالي فإننا نهمس في آذان عشاق التمسرح والكوم بأن الدرس يأتيهم من جادة الشانزيليزيه التي هب عليها غضب الفرنسيين وتجلى في أعنف درجاته وأنه عليهم أن لا يطمئنوا إلى أولئك الذين يلّمعون صورهم وهاجسهم الوحيد تلميعها فوحدها السياسة الناجعة والناجحة قادرة على أن تصنع مستقبل السياسي وتجعل عموم المواطنين يلتفون حوله ويصدقونه.

والطموح الكبير للوصول إلى سدة الحكم رهن الأفكار الإصلاحية الحقيقية والالتصاق بمشاغل الناس والانحياز الى قضاياهم وحدها والتعبير عن ذلك من خلال محاولة إيجاد الحلول لكل المشاكل المستعصية وتحقيق الرفاه والعيش الكريم للجميع على قدم المساواة.

وما على ساستنا سوى الاستفادة من درس ماكرون المجاني حتى لا يحدث لهم ما لا يحمد عقباه ولا بأس من الانتباه إلى ما قاله شاعر إرادة الحياة:

من يبذر الشوك يجني الجراح.