الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



على وزن الريشة

...هل من بصيص ضوء في آخر النفق؟


بقلم: حسن بن عثمان

كتبت في الأسبوع الماضي مقالا بعنوان «رسالة إلى رئيس حكومة ينتهكنا ويجوّعنا» أبسط فيها بعض ما تعيشه مؤسسة «سنيب لابراس» الصحفية من ظروف غير طبيعية في إدارتها وتسييرها وصرف المرتبات والمستحقات الشهرية للصحفيين والموظفين والعاملين بها منذ تعيين رئيس مدير عام جديد/ قديم على رأس المؤسسة. وقع تعيينه بعد تقاعده من العمل الصحفي في جريدة لابراس منذ أكثر من عشر سنوات ليقوم بمهمّة غير واضحة في الكره وتسريح وتصفية أوضاع المؤسسة.

وحال مباشرته للعمل منذ ستة أشهر صار يتلاعب بصرف حقوق العاملين بالمؤسسة ويتأخر في دفع المرتبات والأجور كل شهر بتأخير يفوق الأسبوع، وما يسببه ذلك من اضطراب واحتقان وإهدار لكرامة زملائه ومعاناتهم آخر كل شهر.

ويبدو أن السيد رئيس الحكومة اطلع على الرسالة، مشكورا، التي نشرناها في هذه الزّاوية، مما نتج عنه صرف رواتب شهر نوفمبر يوم الاثنين 3 ديسمبر 2018 بتأخير طفيف، لا مبرر له، ولكن يمكن احتماله؟

ولكن ما لا يمكن احتماله هو السلوك المتعمّد في صرف المرتّب الشهري في غير مواعيده الشهرية، وحسب أهواء الرئيس المدير العام الذي يتعلّل بظروف المؤسسة الإعلامية العمومية «الفالسة؟» دون أن تعلن إفلاسها رسميا، وهي التي كانت من أثرى المؤسسات الإعلامية في البلاد التونسية، يتعلّل بذلك ليشيع أجواء الشعور بالإحباط والفشل لدى العاملين لتسهل عليه تصفية المؤسسة كلّها، ولا ندري لماذا ومن سينتفع بذلك؟ ومن الذي يعمل على التخلّص من المؤسسة الإعلامية العريقة التي وقع تدميرها بشكل منهجي، خصوصا خلال سنوات الثورة، وكأن هناك جهة ما في السلطة الحاكمة ترغب في التخلّص من ذاكرة البلاد الإعلامية باعتماد سياسة الأرض المحروقة ومحو كل أثر لدولة الاستقلال ورموزها، و«سنيب لابراس» من أهم رموزها الإعلامية باللسانين الفرنسي والعربي، مهما كانت الملاحظات أو التحفظات أو التساؤلات في ذاكرة البلاد المريضة التي تعاني.

 

 

الدليل على أن الأمر في المؤسسة ليس مسألة خلوّ ميزانيتها من الحلول المالية في تأخير صرف المرتبات، ولكنها مسألة سياسية بحتة، تعدّلت قليلا حين أرسلنا رسالة شكوى لرئيس الحكومة الذي تعود المؤسسة لحكومته بالنظر، وحالما وصلت الرسالة وصلنا المرتب الشهري في وقته تقريبا، إذ اعتبرنا أن يومي السبت والأحد عطلة إدارية في البلاد، وحسبنا المسافة الزمنية بين نشر الرسالة وصدور الأوامر بالصرف الفوري دون كثرة تسويف وكثرة تأخير وكثرة تنكيل وكثرة احتقار الوقت والذوات البشرية والاستهانة بهيبة الدولة والإدارة، كما حدث طيلة الخمسة أشهر الماضية من هذه السنة المريرة، إذا حسبنا الوقتَ فَهِمْنَا أن السيد رئيس الحكومة، مشكورا مرّة ثانية، هو الذي تفضّل بالتدخّل لفكّ حصارنا الشهري في أجرنا المالي واعتقالنا، أجري الشهري الذي يكفي صرفه لكفاف العيش والقوت أسبوعا واحدا، نبقى بعده نراقب النجوم في القيلولة. شأننا في ذلك شأن كل الموظفين في الدولة التونسية من أصحاب الجرايات والشهريات والمرتبات و«المسمار في حيط» في الوظيفة العمومية ركن أركان الدولة التونسية، الدولة التي عمادها الوظيفة العمومية، الدولة التي تواجه الحيط، وجهها للحائط والجدران الإسمنتية بلا خيال ولا ابتكار ولا إجراءات ثورية، تدعمها أجهزة الدولة بموظفيها الذين يشتغلون أربعة أسابيع في الشهر، بمرتب لا يكفي أسبوعا واحدا لعيش الكفاف والقوت في الشهر الواحد، وتخليص فواتيره من بعضها البعض وتدبر استمرار العيش والبقاء في الغلاء الجحيم، أما باقي الأسابيع فتمر على الموظفين في الدولة وهم في السوق السوداء والمعاملات الموازية السوداء، وسواد ما نحن فيه من مرارة الصرف والنحو والحساب وخوفنا الدائم من مستقبل كل مؤشراته الراهنة تفاقم من خشية انهيار الدولة على رؤوس الجميع.

 

السيّد نور الدين الطبوبي، الأمين للاتحاد العام التونسي للشغل، هو من صرّح بأن العامل بالفكر والساعد في البلاد التونسية أجره الشهري يؤمن له العيش لأسبوع فقط، والأسابيع الثلاثة المتبقية من الشهر هي خارج تغطية أجره الشهري.

حقوق التصريح الرسمية المعنوية تعود للسيد الأمين العام، أمّا معنويات أصحاب الشهرية فهي لا تصرّح فقط بل تصرخ صراخ المتألّمين ولا تغادر مواقعها في العمل، فهي الحصن الأخير للدولة الوطنية التونسية التي تتعرّض لهجوم الأشرار للقضاء عليها والقضاء على ركنها البشري الركين في الدولة والإدارة.

 

 

وحتى لا نستغرق في النحيب والصراخ فنصمّ الآذان على ما جاء على لسان وزير الدفاع التونسي في مجلس النواب التونسي من أن الجنود التونسيين يعانون في التموين والتغذية وينقصهم الحليب وفطور الصباح، مع أن الجيش الوطني التونسي في حالة سلم وسلام وليس في حالة حرب وحصار الخنادق ومواجهة الأعداء وقطّاع الطرق في حرب غير معلنة ولا نعرف خصومها من نفاقها وخصامها من سلامها من عفاريتها وشياطينها من حمامها ومن وعودها ووعيدها، لا نعرف ما الذي لنا؟.

 

 

حين نكتب نختنق بالكتابة وكثرة الهموم في تحرير المقال بحروفه السوداء التي نحاول دائما التخفيف من سوادها، لله في سبيل الله، ومحبّة في البلاد التي ليس لنا غيرها في البلدان لكي نحبّها، ومصيرنا الفردي والجماعي ومصيرها واحد، في اليوم الواحد في النبضة الواحدة والشهر الواحد والعمر الواحد، والتاريخ الأوحد.

 

عود على بدء،

كفى من الحلول الترقيعية والحلول السريعة الواهمة، وعلى السلطة الحاكمة أن تأخذ الأمور بجديّة فائقة مفتوحة العين، وأن تباشر معالجة الملفات بالجذرية المطلوبة، دون العمل على ربح الوقت وإطالة أمد معاناة البلاد والعباد، ومثال ذلك ملفّ مؤسسة «سنيب لابراس»، شديد التعفّن، شديد الفساد.

وهو ملفّ قدّم زميلنا المناضل في هذه الجريدة وفي شؤون الوطن الأستاذ زياد الهاني قضية عدلية منشورة على أنظار القطب القضائي المالي والإداري في الموضوع الذي نحن بصدده، ونحن نشكره ونشكر أمثاله من أصحاب النخوة في الدفاع عن المصير المشترك.

كما لا يفوتنا ان نشكر، للمرّة الثالثة في هذا المقال على التوالي، السيد رئيس الحكومة يوسف الشاهد، ونطلب منه للمرّة الأخيرة أن يصدر أوامره السامية الفورية للسيد الرئيس المدير العام، الذي عيّنه علينا، بأن يكمل مزيته علينا، ويصرف لنا ما تبقى من مستحقاتنا الشهرية والفصلية الأخرى في الإنتاج، التي يقتّرها عليها تقتيرا لا يليق... لا يليق ولا يجوز بهذا الشكل المهين بين أعوان الدولة الواحدة والمصلحة الوطنية الواحدة الوحيدة.

 

 

كثرة الشكر في هذا المقال تعود إلى أنني قبضت على عنق المرتب الشهري، كعادة شهرية دامية، ودنانيره المتساقطة... وخلال بعض الأيام تسوء الأخلاق ويتبدّل الكلام ورصيده البنكي الأحمر المتساقط.

ودائما أحلم في اليقظة والمنام ببريق ضوء أو بصيصه في آخر هذا النفق الذي طال بنا وطال بالبلاد لأكثر من سبع سنوات عجاب، ودائما أحاول أن أتفادى الكتابة لولا التزامي اليومي والأسبوعي والشهري مع المؤسسة التي أدين لها بالانتماء والولاء، والتي مازال لي فيها خمسة أسابيع من الالتزام الوظيفي لأحال بعدها على التقاعد من المهنة، دون التقاعد من الحرفة كمحترف كتابة، ثمّ أباشر كتابة الشعر والغناء والرقص بعد الستين، فيما لو سمح لي بذلك أصحابي من الشعراء وسمحت به لغتي النثرية وما تبقى من عمر يرغب في البقاء في غير الأمراض والمعاناة والعجز والشقاء، ربّما، لا قدّر الله؟