الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


نقاط وحروف
مقاطعة الامتحانات والتهديد بسنة بيضاء:

المسمار الأخير في نعش المدرسة العمومية


بقلم: كمال الشيحاوي

لا حديث هذه الأيام داخل البيوت التونسية سوى عن اضراب أساتذة المدارس الاعدادية ومعاهد التعليم الثانوي عن إجراء امتحانات الأسبوع المغلق للثلاثية الأولى. فقد أدخل هذا الإضراب ارتباكا كبيرا على جميع المستويات ووضع كلّ الأطراف المعنية بالعملية التربوية من إدارة وإطار تربوي وتلاميذ وأولياء في حرج أخلاقي ومشاكل بيداغوجية وهو إضراب مرشّح للتطوّر في شكل عقوبات إدارية ومزيد من التشنّج لدى الإطار التربوي.

فمن جهة تؤكّد الوزارة ممثلة في المندوبيات والمنشآت المدرسية على أنّنا في أسبوع مغلق بينما يقول الأساتذة المضربون بتوجيه من نقابتهم أنّهم سيؤمّنون السير العادي للدروس وسيرابطون في قاعاتهم في حال تغيّب التلاميذ أو امتناعهم عن الحضور أو منعهم من ذلك. وإذ يؤكّد المضربون ونقابتهم أن الامتناع عن إجراء الامتحانات هو شكل نضالي اضطرّوا إليه بعد أن استنفذوا كلّ الأشكال الأخرى ترى الإدارة ممثلة في وزارة التربية كما يرى غالبية الأولياء والتلاميذ أنّ الأساتذة قد استعلموا بغير وجه حق ورقة التلاميذ وامتحاناتهم وتكوينهم البيداغوجي والعلمي للضغط على الوزارة والحكومة وهو تصرّف غير مسؤول وغير أخلاقي ولا يليق بالأساتذة بصفتهم مربّين، يفترض أن يكونوا مثالا أخلاقيا في كلّ شيء بما في ذلك في أساليب النضال والاحتجاج. ولا حرج في أن نقول بكلّ أسف أن حرص الأساتذة المضربين ونقابتهم على الحضور أيام الأسبوع المغلق حتّى يضمنوا عدم الاقتطاع من الأجر الشهري قد زاد في تشويههم لدى الرأي العام وأظهرهم في صورة من يريدون النضال «اللاّيت» وغير المكلف رغم الضرر الكبير الذي يحصل للتلاميذ في مسار تكوينهم ومستقبلهم.

ولكن كيف وصلنا إلى هذا الحضيض؟ كيف انحدرت منظومة القيم في قطاع يفترض أن يكون حاميا لها؟

ينبغي أن نتذكّر في هذا السّياق أن أمراض المدرسة العمومية قد استفحلت منذ تسعينات القرن الماضي حين لم تعد الدولة التونسية (رغم ما يشيعه نظامها إيديولوجيا من حرص على التعليم العمومي) توفر من الامكانيات المادية اللاّزمة للاستجابة لتضاعف عدد التلاميذ (ثلاث مرّات خلال عشرية واحدة) ومن ثمّة الطلبة سواء في مستوى البنية التحتية أو التكوين أو التشغيل في سوق أصغر من تزايد عدد الخريّجين. وبدل مصارحة الشعب بهذه الحقيقة والتفكير جدّيا في شعب مهنية وتكوين يضمن اختصاصات تقنية لمتوسّطي المستوى بما يتناسب والسوق التونسية اتجه نظام بن علي في سياسة تعليمية ضمنت نسب نجاح عالية بتكوين ضعيف جدّا وأحدثت ضررا كبيرا باحتساب نسبة الـ25 بالمائة في مناظرة الباكالوريا وضمنت حالة من السعادة الكاذبة لدى الأسر التونسية التي أفاقت على حقيقة موجعة حين تضاعف ملف أصحاب الشهائد الجامعية المعطّلين عن العمل (وبات من الرّائج أن تجد في العائلة الواحدة ثلاثة خريجي جامعة من اختصاصات مختلفة معطّلين عن العمل) وصار أحد الملفات الحارقة التي ساهمت في إسقاط النظام خلال ثورة 17 ديسمبر14 جانفي. (علينا تذكر أن كذبة أن الشهيد «البوعزيزي» صاحب شهادة جامعية ومعطّل قد ساهمت في تذكية الغضب الشبابي في ذلك الوقت).وفي سياق الاجراءات التي اتخذت لامتصاص الاحتقان الشعبي لدى هذه الفئة الشبابية الهامة تمّ اقرار منحة أمل في سنة 2011 لفائدة المعطّلين من أصحاب الشهائد. ثمّ تمّ التوقف عن منحها. وتأجّل طرح ملف التعليم والمدرسة العمومية على مختلف الأصعدة وكان محلّ نزاع واستثمار سياسي وإيديولوجي لم ينقطع حتّى اليوم.

لا شكّ أن هذه المساحة لا تمكّن من العودة على كلّ ما قيل في خصوص برامج اصلاح المنظومة التربوية في تونس وتقييم نتائج بعض الاجراءات غير أن الثابت لدى معظم المتابعين لهذا الملف أنّه باستثناء الارتباك الذي حصل بمناسبة العودة لنظام الثلاثي هذه السنة بعد فشل نظام السداسي خلال السنتين الماضيتين فإنّه لا شيء يذكر جدّيا في مستوى إعادة النظر في الزمن المدرسي ومضمون البرامج والمواد ، كما لم تتخذ اجراءات حقيقية لوقف الحالة المتردّية التي عليها المؤسسات التربوية من تهرئ التجهيزات ووسائل العمل فضلا عن النقص الحاصل في المدرّسين والقيمين وأعوان الصيانة والتنظيف. وفي سياق هذا كلّه لم يصل المدرّسون ونقابتهم إلى حلّ يضع نهاية لهذا النزاع المادي والمهني الذي طال واستعملت فيه كلّ الأوراق بما في ذلك التهديد بسنة بيضاء كما حدث خلال السنة الفارطة ويتمّ التلويح به هذه السنة.

فهل نحن بصدد حالة من الموت السريري البطيء للمدرسة العمومية؟ وهل يساهم الأساتذة ونقابتهم بنضالهم في إعادة مجد هذه المدرسة في المستقبل أم يسهمون بشكل غير مباشر في الإشهار للتعليم الخاص؟ الجميع سيقول أن قلبه على المدرسة العمومية ولكن لنترك الشعارات والأحلام ونتثبّت في الأرقام والمعدّلات.

الحصيلة مفزعة حقّا حيث نجد لدينا أقل من 1٪ من المتفوقين بالمقاييس الدولية وحوالي 4٪ من المتميزين وحوالي 60٪ من المستوى الضعيف. وبدل التفكير جدّيا في حلول استراتيجية لإنقاذ المدرسة العمومية التونسية نجد أنفسنا اليوم وخلال هذا الأسبوع أمام تكرار مملّ ومؤلم لذات الأسلوب الخاطئ في النضال لدى الأساتذة المضربين ونقابتهم، كما لدى وزارة التربية في تعنّتها ورفضها التعاطي جدّيا مع مطالب المدرّسين المادية والمهنية.

لقد أدّت هذه الاضرابات خلال السنوات الأخيرة إلى تعاظم توجّه التونسيين من الطبقة الوسطى إلى تسجيل ابنائهم في المدارس الابتدائية الخاصة التي تكاثر عددها على نحو بارز (تضاعف نسبة التلاميذ في المدارس الابتدائية الخاصة، كما يشير إلى ذلك الزميل «زياد كريشان» في مقال له بجريدة المغرب من 2٪ من مجموع التلاميذ سنة 2010 إلى 7٪ في سنة 2017 أي أنها تضاعفت ثلاث مرات ونصف خلال 7 سنوات فقط. ولقد بلغ عدد المدارس الابتدائية الخاصة في هذه السنة حوالي 600 مدرسة منها 230 في تونس الكبرى فقط أي نحن بصدد تجاوز نسبة 10٪ من مجموع التلاميذ» . فهل نحن بصدد وضع المسمار الأخير في نعش المدرسة العمومية؟

قد لا يكون المسمار الأخير وقد تكون هناك خطط للإنقاذ والإصلاح لا ندري. ما نعرفه وما نريد أن نؤكّد عليه أن تونس اليوم في حاجة سواء في قطاع التعليم أو الصحة إلى خطاب المصارحة والحقيقة والتوقّف من قبل جميع الأطراف (حكومة ونقابة ومجتمعا مدنيا ممّن يرفعون شعار الاصلاح التربوي ويستثمرون فيه) عن الاستثمار الإيديولوجي والكذب الصريح. فهل يقدرون على ذلك وعيونهم على الانتخابات؟