الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



هكذا أرى

وشمٌُ على الذاكرة (1)


بقلم : محمد مصمولي

... مرّة أخرى، وفي بداية الثمانينات من القرن العشرين، كنتُ أشعر بأن المصادفة كانت على موعد معي.. دون سابق إعلام لأخوض تجربة جديدة.. لا عهد لي بها في ماضي تلك السنوات الحاضرة في الذاكرة..

.. تجربة تختلف عن الكتابة الأدبية في الصحف والمجلات، وعن الإنتاج الثقافي في الإذاعة والتلفزة..

... تجربة لم أفكر قط في ممارستها، لأنّها تختلف عن نشاط القرطاس والقلم.. كما تختلف عن نشاط الميكرو والكاميرا.

... إنّها تجربة الإدارة والتسيير التي تقتضي من المرشح لها.. حرية اقل .. وانضباطا اكثر.. الى جانب اشياء اخرى.. كنت أعتقد انها ليست متوفرة بالضرورة في الشاعر الذي يبحث عادة، في القصيدة، عن أحواله الخاصة وغير المتشكلة بعد.. او في الأديب المبدع الذي يجره الخيال، حينا والذاكرة، حينا آخر الى وقت لم يذهب بعد، تأتي الأصوات فيه من السرّ.. مثرثرة أمام لحظات ذهوله المعتاد.

هل كنت أنا... كذلك... على نحو ذلك التصرف كشاعر وكاتب في تلك الفترة من الزمن؟

لست أدري... وكل ما أتذكره هو أن مشاغلي الفكرية والأدبية بعد ما طرأ على حركة الطليعة الأدبية التونسية من انتكاس، وبعد ما حصل لي من منغصات أخرى، كانت (أي مشاغلي) مبعثرة ولا شيء يجمع أطرافها.

 

... لم أعلم بمصادفة دعوتي الى خوض تجربة جديدة من قبل السيد وزير الثقافة الا عن طريق الصديق الكاتب سمير العيادي... الذي قال لي أن الكاتب عزالدين المدني لم يعد المدير لدار الثقافة ابن رشيق... والسيد وزير الثقافة قد اقترحك بديلا عنه...

... هل يمكنني أن أعتذر عن قبول هذا العرض الصادر عن السيد البشير بن سلامة وزير الثقافة الذي كان يفاجيء ذهولي في كلّ مرة باقتراح جديد، مغاير لسابقه، كما فعل في سنة 1962 عندما اتصل بي ودعاني الى الكتابة في مجلّة «الفكر» عندما كان رئيسا لتحريرها، أو كما فعل في سنة 1964 عندما اتصل بي ودعاني الى الانتاج الثقافي بمؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية... حين كان يشغل الخطة الثانية بعد الأديب محمد مزالي المدير العام...

... هل كان بإمكاني أن أعتذر... لهذا السيد الفاضل الذي وضع في شخصي المتواضع ثقته.... في كل مرة؟

الحقيقة... هي، وبكل صدق، أنني كنت سأعتذر عن قبول مثل هذا العرض لو كان صادرا عن وزير آخر للثقافة... غير الأستاذ الفاضل البشير بن سلامة! وذلك لأن تجربة المسؤولية الإدارية ليست من هواياتي المفضلة.

 

سنوات سبع أو أقل بقليل، من 1980 الى 1987 قضيتها في الاشراف على دار الثقافة ابن رشيق... ثم على دار الثقافة ابن خلدون وعلى مهرجان مسارح البحر الأبيض المتوسط.

ولست أدري كيف استطعت، وإلى جانب معاناتي لمرض ابني (المهدي) أن أقوم بمبادرات تأسيسية في أكثر من مجال واحد من المجالات:

ـ مثل التأسيس... لما سميته «بالتظاهرة الثقافية الشاملة» في التنشيط... من زوايا مختلفة ومتعدّدة لموضوع واحد في المسرح أو الشعر أو السينما وفقا لطريقة variation autour d’un thème.

ـ ومثل جمع كل الفرق الموسيقية والغنائية من كامل تراب الجمهورية لإعداد مهرجان يَدُومُ شهرًا كاملا بإسم: «مهرجان الأغنية التونسية»... وذلك قبل المهرجان الآخر التابع لوزارة الثقافة ويحمل نفس التسمية.

ـ ومثل التأسيس «لوحدة الدراسات الخلدونية» لتشريك جامعيين في تنشيطها... وذلك بهدف إزالة الفجوة التي كانت موجودة بين الساحة الثقافية والجامعية...

وفي إطار... وحدة الدراسات هذه اقترحت إعداد متحف خاص بالعلامة ابن خلدون، وملتقى دولي، في كل سنة، يستضيف أبرز الدراسين لفكره... من الشرق والغرب...

لكنّ هذه المبادرات التأسيسية وغيرها لم أقم بها بمفردي طبعا بل إنّ الفضل فيها يعود أيضا ... إلى من كانوا معي وحولي من المنشطين كان من بينهم: الزميل المبدع الحبيب بلهادي، أو المنشطان الممتازان: منير فلاح وخميس الدريدي... إلى جانب الشاعر آدم فتحي... والناقد أحمد حاذق العرف...

أمّا تأسيس «وحدة الدراسات الخلدونية» فقد كان بالإشتراك مع الدكتور أبو يعرب المرزوقي ثم بمساهمة الأستاذين الجامعيين:

عبد السلام المسدي وفتحي التريكي... إلى جانب الحضور المتألق للأستاذ الراحل توفيق بكار... الذي كان يزورني في مكتبي أو يساهم في ندوة من الندوات.

 

والغالب على الظن ... هو أن تلك التجربة الإدارية قد نجحت، بعض الشيء... خلال فترة الثمانينات من ممارستها في تونس، وذلك قبل مواصلتي لها في باريس ولمدة خمس سنوات أخرى....!

ـ يتبع ـ