الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



تلوينات

هل افتك المؤرخون عهد الريادة الثقافية في تونس الثورة؟


تتنوع تصنيفات النخب المثقفة بحسب اختصاصات كل فئة منها، ولكن جرت العادة في تونس أن تلتحم كل فئة من بينها بالسلطة السياسية القائمة، فنجد مثلا في العهد الأغلبي سيطرة الفقهاء على المشهد الثقافي، وفي العهد الفاطمي اعتنى الحكام بالدعاة والشعراء والأطباء، وفي العهد الصنهاجي برز الفقهاء الأشاعرة ثم الشعراء، وساد علماء الحديث في الفترة الموحدية، قبل أن يسترجع الفقهاء مجدهم من جديد في العهد الحفصي، وفي الفترات التركية علت منزلة المدرسين، والشيء نفسه تواصل بعد الاستقلال إذ راهنت الدولة التونسية على دور المعلمين في تثقيف الشعب التونسي، كما اعتنى الزعيم الحبيب بورقيبة عناية خاصة بالشعراء الشعبيين، أما الرئيس السابق بن علي فقد راهن على الجامعيين والإعلاميين، وبعد الثورة أهملت السلطة الحاكمة على اختلاف أطيافها السياسية كل مظاهر الرهان الحضاري على النخب العالمة أو المثقفة.

وفي هذا الإطار ستبرز على هامش الحياة السياسية المضطربة والمتلاطمة الأمواج أصوات عالية خارجة عن السلطة ومتمردة عليها، وهي أصوات فئة المؤرخين، التي كانت دوما محجورا عليها لأسباب كان نبّه إليها منذ ثلاثينات القرن الماضي المصلح الطاهر الحداد، وسنذكرها لاحقا.

وفي خضمّ القطع بعد الثورة مع عهد كتابة السلطة لتاريخها، وبسط جناحيها على الثقافة التاريخية ومحاصرتها لأقلام المؤرخين، رغم انفلات مثلا المؤرخيْن الكبيرين محمد الطالبي وهشام جعيط منها في عهد بن علي، حاولت الأحزاب اليوم التلاعب بالتاريخ عبر تقطيعه واجتزاء لحظات منه لتوظيفها في صراعاتها الإيديولوجية، وفي هذا المعنى لمع المؤرخون التونسيون الذين لم ينتظروا طائر المينيرفا، أو طائر هيخل أو طائر الفلسفة الذي يأتي دائما متأخرا، لدراسة كل حقبة بعد اكتمالها بانقضاء عهدها، وفي مقدمة أولئك يحلّ الدكتور إبراهيم جدلة صاحب الكتابات النقدية العميقة واللاذعة للسلطة الراهنة، ولئن لم تشتهر لعدم تمريرها في المنابر الإعلامية فإنها قد أقامت البرهان على أن الوعي النقدي في طبقة المثقفين هو اليوم إلى جانب المؤرخين، الذين تصدوا لحماية العقل التونسي من تيارات التزييف ومن مكر السلطة وتلاعبها بالعقول خاصة عن طريق ما يُعرف بالإسلام السياسي أو الديمقراطي.

كما برز أيضا الدكتور خالد عبيد الذي لم يجرفه تيار الإمعية الثورية الزائفة، والاصطفاف خلف القوى السياسية الغالبة، وإنما تصدى لمهمة إنارة الحقيقة بالوثائق الأرشيفية الدامغة، أما الدكتور عادل بن يوسف فقد تصدى بدوره لمهمة إنارة الرأي العام عن طريق بث شهادات إذاعية حيّة لشخصيات تونسية وازنة في التاريخ التونسي المعاصر... ولا نغفل أيضا عن الجهود التنويرية والتحديثية لعدد وافر من المؤرخين سواء عن طريق أحزابهم مثل الدكاترة لطفي عيسى وناجي جلول ورياض المرابط... أو عن طريق المنابر الإذاعية والتلفزية، على غرار الدكتورين نبيل خلدون قريسة ومحمد فوزي المستغانمي بإذاعة تونس الثقافية، أو الدكتورين عبد اللطيف الحناشي وفيصل الشريف بعدد من القنوات التلفزية...

كل هذا يؤكد أنه عندما تأخر الأدباء والفنانون والمفكرون ونستثني من بينهم طبعا بعض الأسماء كالشاعر الراحل الصغير أولاد أحمد والدكتور جلول عزونة والفيلسوف سليم دولة والمفكر الصافي سعيد والفنان لطفي بوشناق والروائي محمد الجابلي والمسرحي رجاء فرحات... تقدم المؤرخون وبما لديهم من أدوات تفكير تاريخي منهجي لتشخيص الواقع التونسي وتفكيك أوهام السلطة المسيطرة عليه، وليس هذا الدور بالغريب عنهم، خاصة في عهد حرية التفكير والتعبير الماثلة بعد الثورة، ثم لأنهم الأعلم بتاريخ السلطة ونُظمها وتمظهراتها وحيلها وأشكال مكرها الخفي والمعلن.

وبالنسبة إلى مصلح ناظر بعين ناقدة إلى عصره من قبيل الطاهر الحداد فقد وثّق لنا في كتابه «التعليم الإسلامي وحركة الإصلاح في جامع الزيتونة» خوف الأنظمة العربية من علم التاريخ وتهميشها له في برامج التعليم، لأن المؤرخ يفتح العقول والعيون على مساوئ أنظمة الحُكم، وعلى مناطق ضعفها وما ينبغي أن تكون عليه، وذلك من خلال قوله: إن المعاهد... «كانت خالية من علوم السياسة كالتاريخ والاجتماعيات في درس أنظمة الشعوب والحكومات وأشكالها، وأوثق نظام لسياسة المسلمين أنفسهم بأنفسهم، وما في نظامهم الجاري من أوجه القبح، إذ كان ذلك مما يمس تلك الحكومات بالنقد والتأثير» (ص 39).

يُشار هنا إلى أن ضياع تونس اليوم في مهبّ الثورة ليس نتاج عوامل اقتصادية بالأساس وإنما لفقدان الوعي التاريخي لدى الطبقة الحاكمة، فمنذ الاستقلال كان الزعيم بورقيبة على الأقل قارئا للتاريخ وكاتبا عنه وموظفا له في خطاباته، ومحيطا نفسه بأقطابه، وقد كان بن علي أيضا موقرا للمؤرخين، ومشجعا لهم، ولكنه لم يقبل كل نصحهم، خاصة فيما يتعلق بعادة الشعب التونسي أن يثور على العائلات الحاكمة إذا استثرت.

ولا شك في أن سبب انتفاضة الشباب التونسي سنة 2011 هو تشبعه بمبادئ التاريخ وبروحها النقدية لأنماط الحكم في مادة التاريخ ببرامج التعليم الثانوي، وها أنّ المؤرخين التونسيين الذين غفل الحكام اليوم عن أهمية دورهم الحضاري، بسبب غلبة الجهل على الطبقة السياسية الراهنة، يفتحون بقوة من خلال كتاباتهم وتدويناتهم وإطلالاتهم الإعلامية مسالك جديدة أمام الشعب التونسي في تقييم حصاد نتائج سياسات أحزاب اليوم المنبتة عن تاريخها، والعاجزة عن بناء الحاضر المرفه، فما بالك بتشييد المستقبل الأفضل، والحال أنها لا تبني سياستها على قراءة تاريخية لمكاسب شعبها وميولاته وتطلعاته وخصوصياته ومتطلباته في إطار منطق تواصل الدولة والمحافظة على الهوية الثقافية والدينية الوسطية وعلى نمط المجتمع التونسي المتفتح والحداثي.

 


منصور