الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مجتمع



بين «الحَرْقَة» والحُرْقَةِ:

متى يتوقّف نزيف اجتياز الحدود خلسة؟



الصحافة اليوم:

من جديد يفتح وبقوّة ملف الهجرة غير الشرعية أو «الحرقة» التي تودي سنويا بحياة العشرات بل والمئات من الشباب والأطفال والنساء الحوامل.

وبين لائم ومدافع عن الحارقين تذهب الأرواح سدى وتثكل أمهات في فلذات أكبادهن بعد ان كان الحلم أن يرونهم في أفضل حال.

فبين لائم «للحارق» الذي غامر بحياته من أجل العيش أفضل على تراب اوروبي قد يعود عليه بالنفع المادي مثلما قد يزيد في تعاسته بأن يرمى في سجون أوروبية ما إن تطأ قدماه ذاك التراب إن وطأه اصلا.. وبين لائم لمن يترك بلده ليعيش الذل والهوان في بلد غريب وبين مدافع وباحث عن أعذار لذلك الحارق الهارب من ظروف اجتماعية قاتلة بسبب البطالة وما تعيشه البلاد من أزمة اقتصادية خانقة، وآرتفاع للأسعار... حيث يذهب هؤلاء للموت وهم يختارون الاقامة في بلد الغربة.

وبين لائم لمن ساعد هؤلاء خاصة اذا كانت الأم او كان الأب من خلال توفير ثمن «الحرقة» وهم في أقصى حالات الخصاصة ورغم الوعي بأن فلذة ابنهما قد لا يعود وقد تبتلعه الأمواج وبين مدافع وباحث عن الأعذار لأم أو لأب أجبر على هذا الفعل لأن لاخيار أمامه... أو لأم ولأب غادرهم ابنهم دون إعلامهم وسلب منهم الروح بعد أن علموا بما أقدم عليه، وبين هذا وذاك يموت ابناؤنا من أجل حلم لا يتحقق الا للقلة القليلة ويموت شباب مهما كانت وضعياتهم وظروفهم لأن قلة ذات اليد دفعتهم للمغامرة، ويموت شباب دون مبالاة بمصيرهم لأنهم أصلا يرون أنفسهم امواتا وهم يعيشون دون أمل في مستقبل أفضل في بلدانهم.

فالشهادات عديدة لهؤلاء الذين اختاروا المغادرة تحت جناح الظلام...

فكل شاب منهم يؤكد أنه فقد الثقة هنا بين أهله وقد سدت أمامه فرص العمل.. والوعود الكاذبة هي التي جعلت المستقبل مظلما أمامه وان نسيان هؤلاء الشباب في خضم الصراعات السياسية هو عامل كبير وراء هجرتهم.

وملف «الحرقة» كلما عاد ليطفو على السطح تعود معه آلام كبيرة ومرارة تنبع من صورة جثث الحارقين وصور أمهاتهم تذرف الدموع الحارقة عليهم.

وآخرها صور جثث دفعتها الأمواج الى السواحل على اثر اصطدام مركب «حارقين» بخافرة عسكرية وكان على متنها مهاجرون في حالة غير شرعية لاجبارهم على العودة كما اكدته بعض الأطراف ونفتها بعد ذلك وزارة الدفاع.

لكنّ هذا الحادث خلّف عددا من القتلى وعددا غير محدد من المفقودين ونجاة حوالي 38 شابا حسب أرقام كشفها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

هذا الحادث الذي جدّ على بعد 54 كلم من جزيرة قرقنة حسب بلاغ لوزارة الدفاع يطرح من جديد عدة تساؤلات فإلى متى ستتواصل هذه الظاهرة فالارواح تزهق وتبتلعها مياه البحر ولماذا لم تتمكن الجهات الأمنية والعسكرية من إيقاف نزيف الهجرة؟

كيف يمكن التصدي لهذه الظاهرة خاصة وأن الأرقام تشير الى تضاعف عمليات «الحرقة» التي بلغت 58 عملية خلال شهر سبتمبر الماضي فقط، فالمركب لم تعد تحمل الشباب فقط بل نساء وأطفالا خلال السنوات الأخيرة.

و«للحرقة» او اجتياز الحدود خلسة وجه آخر هو استغلال هذه العملية من قبل منحرفين مطلوبين من العدالة للهرب الى بلد آخر والافلات من العقاب في تونس.

فهل لم يحن الوقت بعد لإصدار قوانين أكثر صرامة لردع المشاركين في عمليات «الحرقة»؟ ولجعل أي مشارك يفكر ألف مرة قبل الاقدام على هذه الخطوة ذات المخاطر الجمة؟

أخيرا تجدر الاشارة الى ان حادثة قرقنة «الحارقة» وأثناء تسلم عديد الأهالي جثث ابنائها فإن محاولات اخرى وفي الاثناء تم احباطها من قبل وحدات جيش البحر مؤخرا وتم خلالها إنقاذ 12 مهاجرا غير شرعي ثمانية منهم من تونس و4 من المغرب على متن مركب صيد توقف عن الابحار بسبب نفاد الوقود على بعد 63 كلم من جزيرة قرقنة، وقد تم تسليمهم الى القاعدة البحرية الرئيسية بصفاقس ومنها الى وحدات الحرس الوطني.

 


فاطمة السويح