الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مجتمع



عدسة «الصحافة اليوم»

المنتوجات المهربة تكتسح المسالك المهيكلة



ـ الصحافة اليوم: اعداد مصباح الجدي

انتشرت السلع المهربة في جميع مسالك التوزيع في بلادنا ولم تعد حكرا على أسواق او مغازات المناطق الحدودية الغربية من جهة الجزائر والجنوبية من جهة ليبيا بل أصبح الأمر ملفتا للانتباه سواء للمواطن او المسؤول الذي يبدو أنه يعتمد مقولة عين رات وعين ماراتش» على غرار مسؤولي الديوانة او الأجهزة الرقابية والأمنية بشكل عام.. والأخطر من كل ذلك ان هذه المواد والمنتوجات المنتشرة في الأسواق الشعبية وغير المنظمة أصبح لها تواجد في مغازات المدن الكبرى من الشمال الى الجنوب وتضم منتوجات صحية وغذائية متنوعة...

اليوم لم نعد نتحدث في مجال التهريب والتجارة الموازية او ما يعبر عنه قانونا بالاقتصاد غير المهيكل عن المنتوجات التقليدية التي اعتدنا رؤيتها في المناطق الحدودية على غرار المحروقات والعجلات المطاطية او الأجهزة الالكترونية والملابس فحسب بل انتشر ليشمل موادا اكثرحساسية في مجال تسويقها على غرار الأدوات المدرسية ذات الصنع الصيني التي تباع في المكتبات او المغازات الكبرى وكذلك منتوجات تتعلق بتغذية الرضع أشبه بكثير بما يتم بيعه في الصيدليات بل ان الفرق الوحيد بين المنتوج التونسي وغيره من المصنّع والمستورد من دول أوروبية يختلفان فقط في لون العلبة وهو ما يؤكده عديد الصيادلة أمام انتشار هذه الظاهرة علما وأن فارق السعر بين المنتوج التونسي والمنتوج المسوّق في المسالك الموازية يتراوح بين 7 و8 دنانير... وهذا لم يغر المواطن فحسب بل صاحب الصيدلية نفسه...

أرقام مفزعة

وبالرغم من انتشار ظاهرة التجارة الموازية وكثرة الحديث في السنوات الأخيرة عن دمج الاقتصاد غير المنظم في الاقتصاد المهيكل إلا أن هذا لم يحصل على أرض الواقع وعلى العكس من ذلك تفشت الظاهرة وأخذت في التوسع من حيث الأماكن من جهة ومن حيث تنوعها من جهة ثانية وتعود أبرز الأسباب الى نقص عنصر الرقابة سواء الاقتصادية من خلال غياب الردع القانوني الصارم أو كذلك على المسالك الحدودية...

وتبرز اخر الاحصائيات والأرقام الصادرة عن الجهات الرسمية في تونس وأيضا تلك التي أصدرها البنك الدولي أن نحو 3 مليار دينار خسائر تتكبدها الدولة كعجز في مجال الميزانية من خلال التهرب الضريبي فحسب، علاوة على أن المناطق الحدودية الغربية والجنوبية مع الجزائر وليبيا، ٪60 من سكانها ينشطون في التجارة الموازية وهو ما يفسر ضعف الدولة في التصدي لهذه الظاهرة من ناحية وكذلك غياب الأطر القانونية لدمج هذه الأنشطة في الاقتصاد المنظم باستثناء بعض المحاولات على مستوى ايجاد أماكن الانتصاب المنظم لدفع الضرائب لعدد من التجار بالعاصمة...

وأظهرت الاحصائيات الأخيرة لصندوق النقد الدولي بخصوص الوضع الاقتصادي في تونس أن ٪54 من اليد العاملة تنشط في القطاعات الموازية بما يجعل مكافحة تلك الأنشطة صعبة ويزيد من معدلات البطالة وهي أرقام ليست بعيدة عن التي اعترفت بها الحكومة التونسية بداية العام الجاري حيث أكدت أن قرابة ٪50 من الأنشطة الاقتصادية في تونس تعود الى التجارة الموازية مع تعهدات بضرورة تخفيض هذه النسبة الى قرابة ٪20 مع حلول سنة 2020 مقارنة بـ ٪19 سنة 2010.

ويشغّل الاقتصاد الموازي في تونس قرابة 520 ألف موطن شغل بما يعني استحواذه على ٪23 من حجم التشغيل في البلاد ضمن القطاع الخاص.

وباعتبار أن هذه الأنشطة في مجملها غير مراقبة من حيث المصدر وتنتشر بصفة طفيلية أصبحت تكتسح المحلات المنظمة في عديد المناطق وتختلف السلع من هنا وهناك، كما أن التجار غالبا ما يستعملون فواتير ذات صلاحية محدودة أو منعدمة نظرا لعدم تطابق المواصفات مع ما هو معمول به سواء في المواد الالكترونية أو غيرها علما وأن هؤلاء التجار لا يتحملون أي أعباء جبائية أو ضريبية وغير مصرح بهذه الأنشطة وفي الأثناء يتعمد بعضهم التزود بعدة منتوجات مهربة ليتم تسويقها في محلات ذات أنشطة قانونية وخاضعة للأنظمة الجبائية إلا أنها لا تتوفر على مقومات السلامة والجودة...

ولئن حذرت سابقا لجنة الشؤون الإقتصادية بالاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية من تزايد عمليات تهريب السلع الصينية وغيرها عبر الحدود البرية فإنها أشارت بالأساس الى مخاطر تنوع هذه السلع التي شملت اليوم المواد الصحية والطبية والغذائية مجهولة المصدر والتي تؤثر مباشرة على صحة المستهلك التونسي دون اعتبار التأثيرات المباشرة فيما يتعلق باضعاف قيمة العملة المحلية والتسبب في إفلاس وتدمير عديد القطاعات المنتجة محليا.

في غياب الرقابة... تنوعت المنتوجات

وأمام استفحال هذه الظاهرة خاصة في المناطق الحدودية والأهداف المرجوة من التقليص فيها نظرا لتأثيرها على الاقتصاد الوطني واضعاف تنافسيته، فإن خبراء الاقتصاد في بلادنا يسعون الى ايجاد الحلول والبدائل في هذه المناطق لعل أبرزها دمج الاقتصاد الموازي في الاقتصاد المهيكل وايجاد المشاريع التي تتماشى مع خصوصيات الجهات للحد من هذه الظاهرة رغم أنها توفر فرص عمل بالآلاف وفي المقابل يشتكي عديد التجار أصحاب المحلات المنظمة والمنتمين للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية من غزو البضائع المهربة للسوق التونسية نظرا لتشابهها مع المنتوجات التي تسوّق في المسالك القانونية ولكن بأسعار بخسة...

وفي هذا الجانب أوضح لنا بعض أصحاب المحلات بالعاصمة خاصة شارع شارل ديغول الى أن المواد المهربة التي يتم تسويقها في الفضاءات البلدية التي خصصتها ولاية تونس للتجار المستقلين ساهمت في تراجع مداخيلهم وأغرقت محلاتهم في الديون حيث أفادنا أحد التجار أن الأمور أصبحت خطيرة أكثر مما يتصور المواطن باعتبار أن ظاهرة الانشطة الموازية لم تعد تشمل المواد الطاقية والالكترونية والغذائية فحسب بل تشمل مواد مدرسية للأطفال وهم عرضة لمخاطرها الصحية فضلا عن انتشار ظاهرة بيع المواد الطبية والصيدلية في الأنهج والشوارع في غياب الرقابة الصحية والأمنية وعرج محدثنا في هذا الجانب على استغرابه من صمت مختلف الأجهزة الرسمية وغياب الردع مشيرا الى أنه غير بعيد عن الشارع الذي يتواجد فيه محله التجاري ينتشر تجار «العملة» أو «الصرافة» بطرق غير شرعية في السوق السوداء أمام أعين الجميع وفي مسافات قريبة جدا من البنوك... ليؤكد وفق قوله أن هناك شبه إضمحلال للدولة في هذا الجانب...

وجدير بالذكر أن البنك الدولي كان قد حذر بلادنا من عدة تقارير صادرة عنه من خطورة تنامي ظاهرة التجارة الموازية التي تحقق نحو 40 مليار دينار من الناتج المحلي الاجمالي وتنشط بها حوالي 520 مؤسسة صغرى ومتوسطة تمثل نحو ٪35 من النسيج الاقتصادي وطالب الحكومات التونسية بضرورة الحد من هذا النزيف باعتبار أن أغلب التقارير التي أجراها خبراء الاقتصاد في تونس خلال العامين المنقضيين تشير الى أن الاقتصاد الموازي في تونس استفاد كثيرا من حالة الفوضى والانفلات بعد سنة 2010 أمام تراجع السلطة الرقابية بشكل لافت مما أدى بالدولة الى خسائر في مداخيلها الضريبية والجبائية تقدر بأكثر من ملياري دينار سنويا... فضلا عن انخرام السياسة التشغيلية في تونس من ذلك أن المؤسسات العاملة في هذا القطاع لا تعتمد على الوضعيات المنظمة قانونيا من خلال الأجور أو التغطية الصحية والاجتماعية، ويعمل أكثر من ٪75 من الشبان في تونس في القطاع الموازي تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة وذلك حسب تقرير صادر عن مكتب العمل الدولي سنة 2015.

وبالرغم من أن هذه المنتجات المتداولة التي يتم تسويقها غالبا ما تغري المواطن سيما من أصحاب الدخل المحدود الا أنها تحمل في طياتها عديد التأثيرات السلبية سواء على الصحة أو الاقتصاد في آن الا أن التساؤلات تبقى مطروحة دون أجوبة رسمية وإن وجدت فهي غالبا ما تكون غير شافية بخصوص إحكام المراقبة الديوانية على الحدود أو أيضا العجز عن التقليص منها ولعل «تردّد» الدولة في اتخاذ أساليب الردع ينطوي ضمنيا حول التفكير في إيجاد البدائل بخصوص مواطن الشغل للمشتغلين في الاقتصاد غير المهيكل وهو ما تؤكده عديد الأحداث التي جرت سواء احتجاجات بنقردان المتكررة منذ سنة 2008 وآخرها خلال شهر أوت المنقضي أو كذلك في عجزها عن التحكم بصفة كلية في المسالك المتنوعة لادخال هذه المنتوجات والتي لا تقتصر على المعابر الحدودية فحسب بل تدخل أيضا من الموانئ البحرية عبر شركات وهمية للتجارة الدولية والتي تستعمل الكثير من المغالطات في ادخال السلع للتقليص من حجم الضرائب المفروضة عليها... مع الاشارة الى أن السلع التي يتم تسويقها في السوق الموازية ٪10 منها فقط تدخل عبر المعابر البرية...