الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مجتمع



وانطلق ماراطون تحضير الأبناء للإعداديات النموذجيّة

هاجس أغلب الأولياء ....إلى حين الارتقاء بمؤسّساتنا التعليمية؟


 

الصحافة اليوم- سميحة الهلالي

يبدو أنّ العبارة الشهيرة للرمز ابراهام لنكولن حين قال «ان كنتم ترون أن التعليم مكلف جدّا ،جرّبوا الجهل وستجدونه أكثر كلفة» قد وجدت طريقها لدى الوعي الجمعي للتونسيين حيث استعاذ الكثير عن فكرة التدثّر بمبررات العجز وشح الموارد .. ونراهم اليوم يسابقون الريح – برغم حساسية ظروفهم الاجتماعية والمادية -إلى الفوز بطوق يجعل من فلذات أكبادهم مشاريع نخب ناجحة، متميزة وممتازة فكثيرا ما تلج إلى مسامعنا « أريد أن يكون ابني متميزا» عبارة يكررها عديد الأولياء ويريدونها أن تكون واقعا معاشا فكلنا نعجب بالطفل الذكي المتميز ونريدها أن تكون في أبنائنا ، طبعا التمني وحده لا يكفي بل لابد من اتخاذ التدابير اللازمة لتحقيق ذلك.

 

حيث يعمل الوليّ على تقديم التّضحيات لتدارك إخلالات منظومة التعليم العمومي المهترئة والتي تعرف العديد من الهنّات ليتحمّل قسطا من المسؤوليّة، فنراه يلهث وراء الدّروس الخصوصيّة لتحسين جودة مكتسبات منظوريه وتحقيق الهدف المنشود وهو التميز وإلحاقهم بالمؤسسات التعليمية النموذجية . وللنجاح في تحقيق التميز يعمل الولي حتما على «الأخذ بالأسباب» التي تؤدي إلى تحقيق المنشود .

يرى العديد من المتدخلين في الشأن التربوي أن العمل على الالتحاق بالاعداديات النموذجية ينطلق منذ بداية السنة من قبل شق كبير من الأولياء وهو أمر مشروع مادام التعليم العمومي يعرف العديد من المشاكل وعلى جميع الأصعدة وقد زادت من حدتها جائحة كورونا التي أدت إلى اختلال الموازين وكان المتضرر المباشر التلاميذ على اختلاف مستوياتهم. فوباء كورونا قلب كلّ الموازين وكانت له تداعيات مباشرة على المكتسبات العلمية للتلاميذ التي تعرف تراجعا منذ سنوات وهو ما جعل الولي يعمل على كيفية تدارك النقص الحاصل وفي الأثناء يحرص شق منهم على المحافظة على المستوى العلمي المتميز لمنظوريه حتى يتمكنوا من ضمان مستقبلهم في الالتحاق بالاعداديات والمعاهد النموذجية ...

حيث يقول في هذا السياق رئيس جمعية جودة التعليم قاسم سليم انّ ملفّ المعاهد والإعداديّات النّموذجيّة ودون مواربة دليل ساطع على أنّ منظومة أخذ القرار في وزارة التّربية، إن صحّ اعتبارها منظومة أصلا، تشكو منذ ثلاثة عقود على الأقلّ من اضطراب بلغ في أحيان كثيرة حدّ الاعتباط، ومن طغيان المزاجيّة والمواقف القائمة على قناعات الأشخاص واعتقاداتهم ومصالحهم وتحالفاتهم أكثر من قيامها على المعطيات الدّقيقة والمعايير الواضحة، في غياب تامّ لمقاربة منظوميّة حقيقيّة للشّأن التّربويّ. وما يصحّ على هذا الملفّ يصحّ أيضا على ملفّات استراتيجية أخرى قوّض سوء إدارتها أركانا من مدرسة الجمهوريّة، كملفّ التّعريب العشوائيّ، وملفّ هيكلة التّعليم قبل الجامعيّ، وملفّ اعتماد نسخة مشوّهة من المقاربة بالكفايات، وملفّ التّخلّي عن مدارس التّرشيح ودور المعلّمين العليا، وملفّ إدارة الموارد البشريّة، وملفّ الهيكليّات المتعاقبة التي حوّلت وزارة التّربية إلى غابة من الإدارات المتراكمة والمتشابكة مركزيّا وجهويّا، بما عطل أداءها وأعاق كلّ إصلاح.

ويضيف محدثنا إنّنا نخطئ كثيرا إن نحن اقتصرنا في تناولنا لملفّ المؤسّسات التّربويّة النّموذجيّة على مسائل من قبيل تكافؤ الفرص، أو حرمان المؤسّسات التّربويّة «العاديّة» من نخبتها، أو إجبار التّلاميذ «المتميّزين» من متابعة نسق تعليميّ له آثاره السّلبيّة على نموّهم النّفسيّ والاجتماعيّ: فالاقتصار على هذه الجوانب، رغم أهمّيّتها، سيقودنا كالعادة إلى طرح سيّئ للإشكال، ومن ثمّة إلى المزيد من القرارات الارتجاليّة الخاطئة، وها نحن نرى أنّ القضيّة قد اختزلت لدى الكثيرين بعد في جدل عقيم بين مؤيّد لبقاء المؤسّسات النّموذجيّة وبين مطالب بإلغائها، بل إنّ البعض قد مضى إلى أبعد من ذلك، فسمعنا في نهاية السّنة الدّراسيّة الفارطة أصواتا تطالب بامتحانات وطنيّة على المقاس، تكون ميسّرة لتلاميذ المؤسّسات «العاديّة» وعسيرة لزملائهم من النّموذجيّات، فهل بعد هذا من شعبويّة وعبث؟

ويؤكد في السياق ذاته انه لا بدّ لنا أوّلا من التّساؤل: ما الذي يميّز مؤسّسة نموذجيّة عن غيرها؟ وما الذي يجعل الأولياء يبذلون كلّ ما في وسعهم ليلتحق أبناؤهم بها؟ إنّ الأمر لا يمكن أن يكون متعلّقا بالبرامج المعتمدة، فهي ذاتها في كلّ المؤسّسات، كما لا يمكن أن يكون متعلّقا بدرجة الرّفاه، فهي ذاتها أيضا. إنّ ما يجعل المؤسّسات النّموذجيّة نموذجيّة بالفعل عنصران أساسيّان هما مواردها البشريّة من إدارة ومدرّسين، وتلاميذها المجتهدون، ويمكن أن نضيف إلى ذلك بعض ما توفّره من خدمات بسيطة ولكنّها غابت في باقي المؤسّسات التّربويّة خلال العقود الأخيرة، ونقصد بها خاصّة فضاءات المراجعة والعمل الجماعيّ ونظام نصف الإقامة.

وخلص بالقول الى انه لا معنى للحديث عن التّخلّي، في الوضع الحالي، وبجرّة قلم، عن المدارس والإعداديّات النّموذجيّة، لأنّ هذا لن يزيد إلاّ من تزاحم الأولياء الذي نراه في بداية كلّ سنة دراسيّة لنقلة أبنائهم إلى مؤسّسات تربويّة توفّر مناخا جيّدا للنّجاح، بل وإلى أقسام محدّدة في ذات المؤسّسة، وهو تزاحم يزداد حدّة عاما بعد عام، ويمكن أن يكون على حساب تلاميذ متميّزين لا يمتلك أولياؤهم الأدوات اللاّزمة لخوض غماره.

ويشير رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم انّنا نحتاج أوّلا إلى فتح مسالك حقيقيّة ضمن هيكلة التّعليم قبل الجامعيّ لتعليم الصّنائع والمهن، لأنّنا نظلم سنويّا، ومنذ عقود، عشرات الآلاف من الأطفال والشباب الذين نفرض عليهم مسلكا موحّدا نعلم جيّدا أنّهم لن يستطيعون الوصول إلى نهايته وتتويجه بشهادة البكالوريا، كما نظلم زملاءهم من الذين يمتلكون هذا الاستعداد ولكنّهم يجدون أنفسهم مجبرين على متابعة الدراسة في مناخ منفّر وغير ملائم. وبذلك سوف يقلّ الضّغط على منظومة الموارد البشريّة بوزارة التّربية ويكون بإمكانها الارتقاء بنوعيّة مدرّسيها، عن طريق اعتماد معايير عالية عند الانتداب، وتنفيذ سياسة حقيقيّة للتّكوين المستمرّ ذات جدوى ميدانيّة وأثر فعليّ، كما سيقلّ الضّغط على البنى التّحتيّة المتاحة حاليّا ونقصد أساسا قاعات الدّراسة التي يمكن تحويل عدد منها إلى قاعات مراجعة، وسيكون بوسع إدارة كلّ مؤسّسة التّركيز على تحقيق معايير الجودة بدل استنزاف طاقاتها في معالجة الإشكالات اليوميّة النّاجمة في جزء كبير منها عن الهيكلة الحاليّة العرجاء للتّعليم قبل الجامعيّ. بذلك نكون قد حوّلنا جميع إعداديّاتنا ومعاهدنا إلى مؤسّسات للنّجاح، وعندها فقط سوف يكون التّخلّي عن المؤسّسات النموذجيّة الحاليّة أمرا بديهيّا من تحصيل الحاصل، مع ضرورة أن يترافق ذلك مع بناء منظومة وطنيّة للإحاطة بالموهوبين، وهذا في حدّ ذاته ملفّ يحتاج الوقوف عنده بكلّ عناية، لأنّه يتعلّق ببناء نخبة وطنيّة حقيقيّة تعيد للبلاد مجدها وتقودها لاستئناف مسيرتها الحضاريّة التي انطلقت منذ عهد قرطاج.