الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مجتمع



الخبير وقتل المثقّف

الخفيّ والمعلوم في مهنة الخبير «الساحر الحديث»


بقلم: الدكتور شهاب اليحياوي (❊)

الصحافة اليوم

إنّ ظاهرة غزو ما يطلق عليهم عبثا بالخبراء في شتّى الميادين السياسية والاقتصادية والصناعية والفلاحية والتربوية وما الى ذلك للمشهد العام، تثير البحث المعمّق في دلالتها ومآلاتها وانعكاساتها غير المعلومة والمرئية للنظر غير النقدي والتأويلي للظواهر. ذلك أنّ حضور، المسمى خبيرا طغى وغطّى على ثقل حضور المثقف والمتخصصين في مجالات بحثية ذات صلة متفاوتة القرب والضرورة بالمشكلات المطروحة في هذا القطاع او ذاك.

 

فهذا الخبير أصبح أكثر تأثيرا في تشكيل وتوجيه الرأي العام وصناعة المواقف والأشخاص وتوجيه الوضعيات وجهات تتلوّن بالجهات المستنجدة بهذا النموذج الجديد الذي يروّج له على أنّه الأقرب الى الحقيقة في تماه مع الصورة المتخيّلة وغير الواقعية ضرورة والتي تقدّمه على انه الحامل للمعرفة الدقيقة الكمية والنوعية بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والسياسية والتنموية وما الى ذلك. وعليه فإنّ منتخب الخبراء أصبح مؤثرا بقوّة في وضع السياسات التنموية والاقتصادية والتعليمية وغيرها بأشكال مباشرة عبر اللّجان المنبعثة للغرض او عبر الاستشارات الفردية او الجماعية للمتنفّذين منهم والمحتكرين للمجال عبر شبكة العلاقات المكثّفة والمعقّدة التي ينسجونها مع سلطة القرار وعرّابيها في كل مجال.

لا ينحصر الاشكال في نظرنا في هيمنة حضور سحرة القرن الواحد العشرين أدعياء تملّك قوة الاقتراح وبالتالي قوّة الحضور في هندسة القرارات وصناعة البرامج، وانّما في تحوّلهم الى آلية شرعنة سياسة الانتقاء والفرز التي ينتهجها من يملكون سلطة القرار في متعدّد إدارات ومركزيات الوزارات إزاء حضور المثقفين في لجان التفكير او الإصلاح او التشاور او وضع السياسات او هندسة البرامج.

ونقصد بالمثقّف هنا كل باحث في مجال تخصّصه ومالك لتجربة طويلة في الدراسات والبحوث وفي بناء المعرفة في مجاله ويملك إرادة المشاركة في فعل التدبير العمومي في أي مجال من مجالات عمل الدولة دون أن يكون جزءا منه. فنحن إذن أمام مثقّف اعتبارا لتحوّزه على معرفة وعلم دقيق بميدانه والتجربة والإرادة غير القابلة للتورّط في لعبة المصالح والمنافع والروابط التي جاءت بالمدراء وتضمن ببقائها ديمومة وجودهم وهيمنتهم على القرار في مجالات عملهم. فحضور المثقف او العالم وليس المشعوذين الجدد تحت «يافطة» الخبير، يشكّل دائما لدى هؤلاء وكما خبرناه ميدانيا خطرا حقيقيا يبثّ فيهم الرعب والتوترّ بحضورهم الثقيل وتملّكهم أدوات الحوار والاقناع والقدرة المتحرّرة من اكراهات وضغوط المركز والعلاقات والمصالح غير المعلنة. فأكثر من يطلق عليهم الخبراء ويدعون الى اللجان المشكّلة في الوزارات هم المدراء والمديرون العامون بنفس الوزارة والذين هم في الان ذاته من يشرفون على تنفيذ البرامج والسياسات التي هي موضوع اجتماع هذه اللجان لتقييمها وإعادة التفكير في مضامينها وأهدافها وآليات تنفيذها والبحث عن حلول وبدائل بعامل فشلها في تغيير واقع الحال في حقل ما من الحقول وتحقيق الأهداف المرسومة سلفا والتي وضعها هؤلاء بأنفسهم وقدّمت من قبلهم على انّها عصارة تجربة وخبرة ودراية. فكيف يكون المصلح هو ذاته المفسد بالأمس او انّنا نعيد دائما دعوة من فشلت تقييماتهم ومشاريعهم ومقترحاتهم التي أُهدرت فيها أموال كبيرة في السفرات والاجتماعات والورشات والمشاورات التي لا تعقد الا في النزل اين يتسلّل الوحي الإلهي إليهم ليلا وهم في أبهى تجلياتهم وصفائهم الذهني. فمنذ الثورة وفريق خبراء الاصلاح في كثير من القطاعات وخاصة الحسّاسة هم ذاتهم لا ينقص منهم الاّ من حال قهر المرض دون التحاقه بخيمة الأخوة البررة من الخبراء.

في هكذا أجواء انسجامية بين من اجتمعوا بالأمس على خلق المرض في جسم القطاع وحقوله تحت عناوين يفوح منها عبق الخبرة والتجربة التي اصْطُفوا على أساسها لهندسة الدواء لمرض هم أحد عناوينه وأحد الأسباب المعتّقة لتمكّنه من جسم القطاع، لا مكان للمثقّف الذي عرّفنا اهم صفاته التي تؤهّله لقيادة مشاريع التقييم الموضوعي والعلمي والحيادي ووضع البرامج الأقدر على الإصلاح والتغيير.فمن يملكون سلطة القرار من المدراء والمدراء العامين هم واضعو البرامج الإصلاحية بالأمس تحت عنوان الخبراء وهم المقيّمين لها اليوم وناقدوها وواضعو البرامج الجديدة البديلة أو بديل البديل في سلسلة لم تنته من الثورة إلى يومنا هذا. فمن مدح وذمّ فقد كذب مرتين. ومن هو جزء من الجسم المريض لا يرقى الى صفة الخبير الذي يجب أن يكون من خارج القطاع وعارفا به عبر تخصّصه العلمي واهتماماته البحثية التي ترقى به الى صفة الخبير الحقيقي المغيّب لا فحسب من إدارة وقيادة مشاريع التقييم والإصلاح بل حتّى من الحضور في مقابل هيمنة خبراء الزيف على المشهد هنا وهناك. لذلك دعوتنا تصبّ في أن نقطع مع هذا التمشّي وأن نلتفت بقوّة وبعمق وفعالية الى أهمية قيادة المثقّفين لمسارات الإصلاح والتقييم غير المرتهن الى أي اكراهات تكبّل الذهاب في المسارات الصحيحة والجريئة لتغيير واقع الحال.

(٭) أستاذ علم الاجتماع بجامعة المنار