الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مجتمع



القطاع الفلاحي يعيش في دوّامة مغلقة

عشر سنوات من عدم الاستقرار السياسي عمّق أزمة القطاع


الصحافة اليوم: جيهان بن عزيزة

هلّت بشائر الأمطار بداية الأسبوع ونزلت بردا وسلاما على العاملين في القطاع الفلاحي ومنهم منتجو الزراعات الكبرى الذين انتظروا بفارغ الصبر هطول الغيث النافع للشروع في بذر الحبوب بعد انحباس للأمطار الخريفية التي تعتبر مؤشرا على بداية موفقة للموسم الفلاحي. بشائر الأمطار لم تخف حسرة وتعثرا حيث يقدر نقص الأمطار بنسبة تتراوح بين 30 و٪35 مقارنة بالموسم الفارط عمّقها التأخير من طرف وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري في توفير المستلزمات الإنتاجية من بذور وأسمدة خاصة في مادة الـ«د.أ.ب» الأساسية والحيوية لعملية البذر وهو ما نغّص على المنتجين حسن استعدادهم للموسم الفلاحي الجديد...

 

فإلى حدود هذه الأيام لم يتحصل المنتجون إلا على نحو 40٪ من حاجيات الموسم بعد الأزمة التي خلّفها غلق المجمع الكيميائي والتعطيلات في نسق إنتاجه بسبب احتجاجات اجتماعية ما خلق أسواقا موازية ألهبت أسعار المادة وصار الحصول عليها صعب المنال في غياب لأجهزة الدولة الرقابية وهو الأمر ذاته التي أشار إليه محمد رجايبية عضو المكتب التنفيذي للاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري المكلف بالزراعات الكبرى في تصريح لـ«الصحافة اليوم» بعد أن حوّل عدم الاستقرار السياسي حياة الفلاحين الى كابوس مزعج أقضّ مضجعهم وجعلهم يعيشون في إطار دوامة منذ ما يزيد عن عشر سنوات وتساؤل في استغراب «هل يعقل أن نعيش ثلاث حكومات متتالية في سنة؟». «هل يتحمل الفلاح تبعات غلق المجمع نتيجة احتجاجات اجتماعية لا ناقة له فيها ولاجمل؟» وأضاف: لا يوجد منوال تنموي يحدد توجهات الدولة نتيجة عدم استقرار سياسي وهو ما يلقي بتبعاته السلبية وعدم استمرارية الدولة في كافة الميادين والإدارات خلّف وهنا في مفاصل الدولة وشللا أثّر على قدرتها على حلحلة الإشكاليات التي بقيت ملفاتها عالقة على غرار ملف الدعم ومسالك التوزيع والمنظومات الإنتاجية الفلاحية بعد أن بات التعامل مع القضايا الفلاحية دون تخطيط مسبق جعل الإدارة تتعامل بشكل يومي ما يربك المنتجين ويؤثر على استمرارية الإنتاج فعلى سبيل المثال هل يعقل أن تصدر قائمة المناطق المجاحة منذ أسبوع عوض صدورها قبل تاريخ 30اوت حتى يتمكن الفلاح من تسوية وضعيته المالية البنكية وجدولة ديونه تبعا لشهادة الجائحة التي يتحصل عليها وهو ما يثبت تقاعس الإدارة في التعامل مع المسائل الفلاحية بتراخ ولا مبالاة.

وضع اقتصادي متأزم

لا يختلف اثنان حول ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية من تراجع في النمو الاقتصادي على مستوى كامل القطاعات الصناعية غير أن القطاع الفلاحي يظل القطاع الوحيد الذي يساهم في انتعاشة ولو طفيفة خلال الثلاثي الثالث من السنة الحالية للميزان الغذائي باعتبار ارتفاع قيمته المضافة خلال الفترة نفسها ولو اعتبرت طفيفة كما انه يساهم بنحو 9 ٪ من الناتـج الداخلـي الخام واستقطابـه لـ8 ٪من جملة الاستثمارات في الاقتصاد التونسي غير أن غياب رؤية واضحة في ما يتعلق بالمنظومات الفلاحية يربك عملية الإنتاج ويضع مسألة السيادة الغذائية على المحك في وجود لوبيات وفق ما أكده محمد رجايبية التي تتحكم في مفاصل مسالك التوزيع لتحتكر المنتجات وتتلاعب بالأسعار كما تشاء ليظل الفلاح والمستهلك على حد سواء الحلقة الأضعف يتحمل كل منهما وزر ذلك التلاعب فالفلاح يضطر الى بيع منتجاته بأبخس الأثمان ولا يستثني أي منتوج فلاحي لتصل الى المستهلك بأضعاف أثمانها الأولية بسبب نهم المتدخلين في حلقة ما بعد الإنتاج من مصدّرين ومضاربين الذين يجنون أموالا طائلة.

«جعلنا هذا القطاع على رأس القطاعات التي نركز عليها في خطة الانتعاش الاقتصادي وقد وضعت إبان تشكيل الحكومة مسألة إصلاح المنظومة الفلاحية من خلال مقاربة شاملة للبعد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي والأمني للفلاحة كأحد المشاريع الوطنية الكبرى السبعة التي أردت أن تعمل عليها الحكومة».

كلمات جميلة منمّقة خاطب بها إلياس الفخفاخ رئيس الحكومة السابق الفلاحين في عيدهم الوطني للفلاحة والذكرى السادسة والخمسين للجلاء الزراعي الموافق لـ12ماي من كل سنة ليس هو وحده من يدغدغ مشاعر الفلاحين فكل الشخصيات التي نصّبت على رأس الحكومة جعلت من شعاراتها رنانة لإنقاذ القطاع الفلاحي لنسمع جعجعة ولا نرى طحينا، كلمات فضفاضة ووعود تذهب أدراج الرياح بذهاب الرئيس ليهل علينا رئيس آخر جديد ونعيد الاستماع الى خطابات رنانة دون تغيير لوضع الفلاحة التي صارت مرتبطة بالتوريد وبأهواء المحتكرين بتسهيلات من أجهزة الدولة تورّد ما شاء لها من المنتجات الفلاحية حتى وان كانت رديئة فيما يلقى بالمنتوج الفلاحي على قارعة الطريق.

ونشـير فـي هذا السـيـاق الـى أن نحـو 95 ٪من بذور الخضروات نورّدها من الخارج وغيرها من البذور غير أن النقطة المضيئة في هذا المجال هي استعمال نحو 90٪ من البذور المحلية في الحبوب إلا أننا نظل في تبعية مطلقة لتوريد الحبوب على اعتبار أن الإنتاج أو الكميات المجمّعة لا تغطي كامل احتياجاتنا من الاستهلاك التي تقدر بـ34مليون قنطار على اعتبار أننا من المستهلكين الكبار بمعدل مليون قنطار قمح صلب ولين في الشهر بما يعادل ما بين 180 و190كيلوغرام في السنة للشخص الواحد وتفيد المعطيات التي استقيناها من ديوان الحبوب أن الكميات المجمعة من الحبوب لصابة 2020 بلغت 7مليون قنطار بقي منها ما يغطي الاستهلاك الوطني لشهر ديسمبر القادم وعليه فان عملية التوريد تجري بنسق متواصل منذ شهر جوان الفارط بما يضمن توفير كميات إضافية من الحبوب أين ابرم الديوان عقود توريد بنحو 27مليون قنطار من قمح لين وصلب وشعير الى حدود تاريخ 31 ماي2021.

وسيكون لهذه الكميات المورّدة تبعات ثقيلة على الخزينة العامة باعتبار تقلّب أسعار الحبوب في السوق العالمية حيث قدّر محمد رجايبية المكلف بالزراعات الكبرى بالمنظمة الفلاحية أن قيمة تلك الكميات المورّدة ستكون في حدود ألف و600 مليار وكان الأجدر أن يخصص جزء بسيط لفائدة منتجي الحبوب على المستوى الوطني في ما يتعلق بمزيد الإحاطة بالفلاحين ودعمهم بالتكوين والإرشاد واستعمال البذور المناسبة بكل منطقة إنتاج وحسن ترشيد استهلاك الأدوية ودعم المحروقات التي ظلت معتمدة منذ 1989في مستوى 72مليما وذلك بالنظر الى سعر اللتر من البنزين بـ380مليم أما اليوم فقد ارتفع سعر البنزين الى 1600مليم ومن غير المنطقي أن تعتمد قيمة المنحة نفسها منذ ذلك التاريخ ووفق ما أكده عضو المنظمة الفلاحية فانه من اوكد الخطوات التي وجب اتخاذها هو تنفيذ مخطط خماسي يرسم الخطوط الكبرى للسياسة الفلاحية على مدى الخمس سنوات المقبلة لتجنب المعالجة الحينية لمسألة المنظومات الفلاحية وتقليص التبعية للتوريد لما يزخر به القطاع من طاقة إنتاجية عالية يمكن أن تجنب البلاد نزيف العملة الصعبة وهي في وضع اقتصادي حرج بالتزامن مع النقاش الحادّ حول تأمين ميزانية السنة الحالية وفي وضع وبائي مخيف يتطلب يقظة وتوفير الأموال الضرورية للقطاع الصحي.