الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مجتمع



فيما تتتالى الإقالات للمسؤولين

عندما تترك «الدولة» مواطنيها..؟


الصحافة اليوم: جيهان بن عزيزة

الآن وقد هدأت الأجواء وامتصت عناصر الجيش والأمن غضب أهالي سبيطلة من ولاية القصرين عقب الاحتقان الذي ساد المدينة على اثر وفاة كهل تحت سقف كشك عشوائي بعد تنفيذ قرار بلدي بالهدم هل يكمن الحل في إقالة المسؤولين بالجهة بعد كل حادثة أليمة؟ هل تكفّر تلك الإقالات عن الذنب المرتكب؟ .

 

هي تثبت الى أي مدى صار الموت في هذا البلد أمرا عاديا ومتداولا غير ان الأمر لا يتعلق بالإقالة ولا بسدّ الشغور بأي مسؤول غيره فهذا لن يغير شيئا من الواقع الاجتماعي البائس وإنما في إيجاد حلول عملية تقطع مع القرارات الارتجالية والمتسرعة فسواء أقيل مسؤول ما أو أوتي بمن يعوضه فان الإشكال سيظل ولن يكون للمسؤول المعوض عصا سحرية حتى لا تهدم البنايات العشوائية أو غيرها من البناءات الفوضوية التي عرفت انتشارا إبان الثورة في تحد صارخ لكل القوانين والتي تعد بالآلاف وهنا مربط الفرس. ففيما كانت السلط المحلية من أعوان للبلدية وللولاة منشغلة حين كانت تبنى تلك البنايات وتلك الأكشاك وماذا قدمت الدولة كمشاريع تنموية للأهالي حتى يقتاتوا منها لقمة العيش ولماذا تتستر السلط المحلية وتغمض عينيها على العديد من البنايات غير القانونية أو تلك الأكشاك وهي بصدد البناء ولماذا تسقطها على رأس أصحابها بدعوى عدم قانونيتها؟ هي بالفعل أزمة دولة وسياسات كما أشار الى ذلك المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في بيان له بعد فاجعة وفاة المواطن عبد الرزاق خشناوي أصيل منطقة سبيطلة.

ولا يبدو أن الأمر مرتبط بمسؤولين غير مسؤولين بل وفاشلين وإنما المسألة تتجاوز ذلك بكثير فما يجري الآن من إقالات الحكومة للمسؤولين الجهويين يعتبر امتصاصا متأخرا للغضب وتكريسا لصورة السلطة التي تبحث عن فاشل يبرر ضعفها وعجزها وعدم قدرتها على تغيير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وهو ما عبر عنه موقف المنتدى الذي حذر من تعمّق صورة الدولة القوية مع الضعفاء والضعيفة مع الأقوياء مما يضعف الثقة في دورها ومؤسساتها وقراراتها ويغذي الشعور بالإحباط ويدفع نحو مزيد الاحتقان الاجتماعي.

ففيما يقال مسؤول قصّر في أداء عمله يدفع المواطن لوحده ضريبة ذلك التقصير ثمنا باهظا هو حياته وهو الذي أعياه الجري وراء لقمة العيش في دولة تعطلت دواليبها وبان عجزها وهونها في تغيير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية... هي أزمة سياسات منهجية لتعميق الفقر والبطالة واللاعدالة اجتماعية وعدم تكافئ الفرص وهي نتائج مرتبطة في تقديرنا بفشل السياسات التنموية باعتبارها تشكو من مواطن خلل عديدة خاصة بعد أن أثبتت المصادر القديمة محدوديتها فهناك عديد التحديات التي لم يستجب لها هذا المنوال خاصة المتعلقة منها بالتشغيل وعدم التوازن بين الجهات وغياب العدالة الاجتماعية بين الفئات وكذلك غياب الحوكمة الرشيدة التي تقودنا إلى الحديث عن خلل في المنظومة القيمية لذلك المنوال.

تعميق للتفاوت الطبقي والاجتماعي الجهوي

إذ يرى خبراء في مجال الاقتصاد بأن هذا المنوال الذي انخرطت فيه البلاد التونسية منذ بداية السبعينات وخاصة منذ أواسط الثمانينات مع برنامج الإصلاح الهيكلي مثّل ارتهان الاقتصاد التونسي للأقطاب الاقتصادية العالمية وللمؤسسات المالية الدولية حيث أصبح اقتصادا طرفيا تابعا مستقطبا للاستثمارات الهشة ذات القيمة المضافة المحدودة وذات التشغيلية غير المستقرة على حساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشغالين ما أفرز تفاوتا في نسق التطور الاقتصادي والاجتماعي نتج عنه ضغط على سوق الشغل وبطالة وتآكل للطبقة الوسطى وتعميق للتفاوت الطبقي والاجتماعي الجهوي علاوة على انعكاس هذا الخيار الاقتصادي والتنموي سلبا على الديمقراطية في التسيير والشفافية في المعاملات مما يؤكد ضرورة إصلاح المنظومة الإدارية والمالية والرقابية ودعم الديمقراطيات المحلية مع إضفاء البعد الاجتماعي على كل مجهود تنموي.

وإذا ما تواصلت سياسات الفشل وسياسة الإقالات للمسؤولين في كل مصيبة تحل بهذا الشعب المنكوب الذي أنهكته البرامج والسياسات الفاشلة في انتشاله من براثن الفقر وزادت جائحة كورونا من تأثيراتها الاقتصادية عليه وحدت من نشاطه ومن مورد رزقه دون أن تكون هناك برامج مرافقة حقيقية من طرف أجهزة الدولة، فان ذلك ستكون له تأثيرات سلبية عميقة الأثر على الوضع الاجتماعي في العديد من الجهات وسيزيد من هشاشة فئات اجتماعية تقتات على ابسط الأنشطة التي تدر لها القليل مما يسد رمق الجوع فهم لا يحتملون وزر الجائحة ووزر السياسات الخاطئة والقرارات الفاشلة.

فقد كشفت دارسة نشرها مؤخرا المعهد الوطني للإحصاء بعنوان «خارطة الفقر في تونس» عن ارتفاع نسب الفقر بشكل رئيسي في المناطق غير الساحلية وتحديدا بوسط البلاد وشمالها وبشكل كبير على مستوى الوسط الغربي المتكون من ثلاث ولايات القيروان والقصرين وسيدي بوزيد ويعد هذا الإقليم وفق الدراسة أحد أفقر الجهات بمعدل 29.3 بالمائة فيما تقدر النسبة الوطنية للفقر بـ15,2 بالمائة من مجموع سكان البلاد وفق معطيات لوزارة الشؤون الاجتماعية وقد تكون النسبة اكبر من ذلك سيما في ظل الأزمة الاقتصادية التي ألقت بظلالها جرّاء جائحة كورونا.

وأمام هذا الوضع دعا المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الى الإسراع في ضبط خطة إنقاذ اقتصادي واجتماعي حقيقية تقطع مع السياسات السابقة وتراجع منهج تخطيط وتنفيذ السياسات العمومية المتبعة وكل منوال التنمية الحالي وتعيد الأمل وتفتح آفاقا للفئات الهشة في مواجهة الوباء غير خياري الموت أو الفقر والانصراف الى القضايا الحقيقية للمواطن والوطن وإعادة الأمل في تحقيق الأهداف الوطنية للثورة في الحرية والكرامة والعدالة والتنمية.

ويبدو أن جائحة كورونا لم تعد لوحدها تشكل خطرا للموت لتلك الفئات الاجتماعية الهشة بحكم هشاشة المرفق العمومي باعتباره المرفق الوحيد الذي تلتجئ إليه لمحدودية إمكانياتها بل صار الموت يتربص بها أي بتلك الفئات بكل الطرق المتاحة حتى تلك التي لا تخطر بباله فالموت آت لا محالة.