الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مجتمع



نتيجة لتعدد المواسم الاستهلاكية ومنها الأعياد وتواترها وغلاء المعيشة

كل الطرق تؤدي الى التداين


الصحافة اليوم ـ جيهان بن عزيزة

على بعد يومين من حلول عيد الأضحى وجدت العائلة التونسية نفسها محاطة بقائمة طويلة وعريضة من المناسبات فبعد شهر الصيام وعيد الفطر وحلوياته وملابس الأطفال داهم الصيف التونسيين وصار الاصطياف لمن استطاع إليه سبيلا بعد أن أضحى الذهاب الى البحر فسحة غالية الثمن نتيجة ارتفاع أسعار كراء الشقق والمنازل ثم هاهو عيد الأضحى أتى مسرعا وسيتوج بالأضحية والتي يبدو أن عددا هاما من التونسيين قرروا عدم شرائها والاستغناء عنها مكرهين نتيجة غلاء الأضاحي وعدم قدرتهم على توفير المال الضروري لاقتنائها بسبب تدهور قدرتهم الشرائية وغلاء المعيشة...

وبين العيدين حضرت مواسم الأفراح والأيام الملاح ومواسم النجاحات من «السيزيام» الى «النوفيام» وأخيرا الباكالوريا فشق كبير من التونسيين خرجوا لتوّهم من أزمة جائحة كورونا التي ألقت بظلالها على العديد من المهن الصغرى وحدّت من نشاطها أثناء فترة الحجر الصحي الشامل الذي امتد على ثلاثة أشهر حيث تفيد العديد من الدراسات من جهات عالمية انه من المرجح أن تسقط ملايين أخرى من البشر في براثن الفقر المدقع بسبب فيروس كورونا وسيعاني الفقراء الحاليون المزيد من الحرمان وهناك أكثر من مليار وظيفة مهددة في العالم مما يزيد الحاجة إلى تحسين شبكات الأمان لأغلب الأنشطة غير الرسمية والعديد من الفئات الأكثر تأثرا وفيما تدخل البلدان النامية في سباق مع الزمن لوقف حالة الطوارئ الصحية سيتعين عليها البحث عن سبل لاحتواء الخسائر الاقتصادية والاجتماعية والعمل بصورة عاجلة على إعادة خطط التنمية إلى مسارها من جديد .

وتقدر منظمة العمل الدولية انه من بين أكثر الفئات ضعفا في سوق العمل ما يقرب من 1,6 مليار عامل في الاقتصاد غير المنظم وهم يمثلون ٪76 من العمالة غير الرسمية في جميع أنحاء العالم ويتأثرون بشكل كبير بالوباء وقد أسفر الشهر الأول من الأزمة عن انخفاض بنسبة ٪82 من دخل العمال غير الرسميين في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط على غرار تونس وتشير البيانات التي نشرتها منظمة العمل الدولية في عام 2018 الى أن حصة العمالة غير الرسمية الإجمالية من إجمالي العمالة تقدر في عام 2016 بنسبة ٪58,8 وهو ما يعني أن أكثر من مليوني عامل يعملون في القطاع غير المنظم في تونس هم عرضة للبطالة والفقر اليوم .

غياب الاستقرار السياسي

غير أن الأوضاع الاجتماعية والسياسية على المستوى الوطني لا تتجه نحو إعادة خطط التنمية بل لا يبدو أنها تتعافى أو هي في طريقها الى التعافي بسبب ما يعلمه القاصي والداني من تناحر على التموقع وبسط النفوذ ومسك بزمام السلطة وعدم استقرار سياسي بعد حل الحكومة والبحث من جديد عن وزراء جدد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الجمهورية التي تلاشت بين أطماع الأحزاب وفيما يتناحر نواب مجلس الشعب تحت قبة البرلمان وما يقدمونه من عروض مسرحية سيئة الإخراج يغادر التونسيون في صمت تحت جنح الظلام شبابا وشيبا ورضعا ومقعدين ومرضى الحدود التونسية (حوالي 4000 تونسي وصلوا الحدود الايطالية الى تاريخ 24 جويلية الحالي وفق إحصائيات مؤكدة) بعد أن أضحى البحر أكثر أمانا من الوطن باحثين عن غد أفضل بعيدا عن ارض الوطن على الرغم من أن العالم بأسره ينزف دما بسبب الأزمة الاقتصادية نتيجة فيروس كورونا .

وفي ظل هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة والتي يتوقع فيها الخبراء ما سيحدث من تأثير سلبي على الظروف المعيشية لتواصل الركود الاقتصادي على نسبة الفقر والهشاشة بأربعة سيناريوهات أولها بتراجع النمو الاقتصادي بـ٪1 وثانيها بـ٪3 وثالثها بـ٪4 بما يتطابق مع توقعات البنك الدولي أما رابعها بتوقع تراجع نسبة النمو الاقتصادي بـ٪5 وما سينتج عنها من ارتفاع مهول في نسبة الفقر وبروز مجموعة من الفقراء الجدد وهم أناس كانوا يعيشون في وضع هش وسقطوا تحت خط الفقر يغرق التونسيون في الاقتراض من البنوك التي أضحت السبيل الوحيد أمام العائلة التونسية من اجل تامين الحاجيات الاستهلاكية الوفيرة والمترابطة بعضها ببعض .

وتشير بيانات البنك المركزي الى تطور حجم التداين الأسري في موفى السنة المنقضية الى أكثر من 24 ملياردينار منها 3.2 مليار دينار قروض استهلاك مقابل 23مليار دينار خلال العام الفارط ويعود هذا الارتفاع بالأساس في حجم قروض الاستهلاك الى ارتفاع نسبة الفائدة لدى البنوك كنتيجة حتمية للترفيع في نسبة الفائدة المديرية من قبل البنك المركزي وهو ما اثر على منحى إسناد القروض من طرف البنوك التجارية واعتمادها لآليات جديدة أكثر تضييقا على التونسيين أثناء إسنادهم للقروض الموجهة للاستهلاك وتبلغ نسبة العائلات التي لها على الأقل فرد من أفرادها في وضعية تسديد قرض في حدود ٪36.1 و٪19.6 يلجؤون بصفة مستمرة للقروض لقضاء حاجاتهم ويصل عدد الأسر التونسية المتحصلة على قروض بنكية الى حدود الـ850 الف أسرة من مجموع 2.8 مليون أسرة دون أن ننسى الاقتراض من المحيط العائلي والمقربين والجمعيات التنموية والتي لا توجد عنها إحصائيات رسمية لصعوبة إحصاء عدد التونسيين الذين يعتمدون هذه الآلية.

مكرهون على التداين

وكان المعهد الوطني للاستهلاك قد تناول مسألة التداين الأسري من خلال بحث ميداني كان قد أجراه أواخر سنة 2018 يعد الأول من نوعه لأنه جمع بين التداين البنكي ومختلف مصادر التداين لدى الأسر التونسية من المحيط العائلي والمقربين الذي أصبح يتصدر المرتبة الأولى كمورد للتداين يليه الاقتراض البنكي فقروض الجمعيات التنموية وخلص البحث الميداني الى أن حوالي ثلثي العائلات التونسية (حوالي 1.8 مليون أسرة) تعتبر أنه لا يمكن الاستغناء عن التداين بجميع أصنافه وأنواعه ولا يمكنها أن تعيش من دون ذلك بسبب الظروف الصعبة.

ثم إن مخرجات البحث أبرزت أن 20 بالمائة من الأسر المتداينة تستخدم هذه الآلية لتسديد ديون أخرى والدخول بالتالي في دوامة متواصلة من التداين ومن الملاحظ انه وبعد أن كانت القروض الاستهلاكية موجهة بالأساس نحو تحسين السكن تحولت الى تغطية مصاريف المناسبات ثم تأتي قروض شراء سيارة والقروض الجامعية ما يثبت حصول تغيرات هيكلية في مصادر التداين وفي قيمة الأقساط وفي أبواب استعمالات الديون .

هذا التطور في حجم التداين الأسري مهما كانت مصادره سواء من البنوك أو من الوسط العائلي أو من الجمعيات والهياكل الاجتماعية المتعددة وان كانت العائلات التونسية مضطرة الى الهروب إليه فانه ينبئ بصعوبة الأوضاع الاقتصادية ويؤشر على وضع اجتماعي ينخره الفقر والخصاصة لشريحة واسعة من التونسيين وبات من الضروري الحد من شبح التداين المفرط للأسر وتبعاته الاقتصادية والاجتماعية والنفسية ذلك أن وضعية التداين التي وصلتها الأسر تدعو إلى القيام بمراجعات موضوعية في تعامل الأسر مع التداين سيما في ما يتعلق بنمط استهلاكها وترشيده وعدم استسهال الاقتراض كنتيجة للتغير اللافت لنمط الاستهلاك الذي يشهد حركية بارزة في أبواب الإنفاق الأسري من خلال تراجع حصة المواد الغذائية مقابل ارتفاع حصص مصاريف الاتصالات والنقل والصحة ومصاريف التعليم التي تستحوذ على قسط تصاعدي من حجم الإنفاق في وقت تواجه فيه البنوك التجارية صعوبات مالية بسبب جائحة كورونا وتراجع أرباحها فيما تتجه فيه دول العالم اجمع الى أزمة اقتصادية حادة بعد تجدد موجة الإصابات بجائحة كورونا التي يبدو أنها ستكون اشد وطأة على الاقتصاد العالمي وستكون لها تبعات سلبية على المستوى الوطني في ظل ارتفاع الدين الخارجي وتوقع نسبة نمو ضعيفة وتعطل مستمر لدواليب الدولة.