الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مجتمع



العاملات المنزليات

قصص متنوعة تعكس واقعا مريرا


الصحافة اليوم: نورة العثماني

أكدت نتائج الدراسة التي قدمتها مؤخرا الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات والتي أعدها الدكتور زهير بن جنات أن قطاع العاملات المنزليات برز منذ عشرات السنين كنتيجة طبيعية للتحولات الاجتماعية التي عاشتها المدن والأرياف بعد ظهور حاجة ملحة إلى مهنة مماثلة يمكن أن تعوض النقص الذي تركته المرأة في منزل عائلتها بعد خروجها للعمل وهو أيضا أمر حتمته الظروف الاقتصادية الصعبة والفقر الذي وجدت فيه عائلات كثيرة نازحة من الريف بحثا عن العمل بما اضطرّها إلى البحث عن مورد دخل لا يتطلب كفاءة ولا شهادات ولا معارف.

 

وبتوسع هذه السوق التي أصبحت توفر موارد رزق للعديد من العائلات ظهرت فئة جديدة من العاملات اللائي ولدن بالعاصمة وأصبحن بمرور السنوات يشكلن جيلا جديدا مختلفا فهن في الغالب ضحايا للعنف والفقر والانقطاع الدراسي والتهميش الحضري وامتدادا لهذا الجيل من العاملات ظهر جيل ثالث من العاملات المنزليات لا يتجاوز متوسط اعمارهن الـ30 سنة وتجسد هذه الفتيات وضعيات مختلفة من التهميش فهن ضحايا للاهمال العائلي وأحيانا هن ضحايا لتواطؤ الوالدين في الأرياف التقليدية وتحديدا في عين دراهم وجومين وفرنانة ونفزة الخ وفي الأحياء الشعبية مثل حي التضامن ودوار هيشر ووادي الليل والكبارية.... الخ فيدخلن مبكرا إلى قطاع العمل المنزلي ويستمررن فيه عند تقدمهن في السن نظرا لعدم إتقانهن لغيره من الأعمال وتوجد وضعية ثانية لفتيات يدخلن الميدان بإرادتهن وبقرار شخصي بعد تجارب مهنية فاشلة أو تجربة بطالة طويلة وحاجة أكيدة إلى الشغل.

عندما يكون النضال قدرا

ومن خلال بعض النماذج التي ستقدمها «الصحافة اليوم» في التقرير التالي نحاول التعرف على الملامح الكبرى التي شكلت حياة هؤلاء العاملات كما سنحاول من خلال تجاربهن الخاصة ملامسة الواقع المرير لهذه المهنة التي ظلت على الدوام تشكل وصمة عار ومصدر إزعاج للمعينات رغم انها تعد «لقمة حلال».

نادية تبلغ من العمر 40 سنة متزوجة منذ 12 عاما ام لطفلين لهما من العمر 10 و9 سنوات زوجها عمره 53 سنة عاطل عن العمل ويدخن ويشرب الخمر. تعيش نادية مع أفراد أسرتها الصغيرة في منزل حماتها في غرفة صغيرة وهي التي تتحمل مسؤولية تلبية احتياجات ومختلف مستلزمات الأسرة من أكل وشرب وعلاج بالإضافة إلى مصاريف دراسة الأطفال ومصاريف زوجها.

تقول نادية بأنها لم تتعرف على زوجها من قبل ولم تكن بينهما علاقة قبل الزواج الذي حدث بشكل تقليدي وبشكل متسرّع هروبا من المعاملة السيئة التي كانت تلقاها من أخيها الذي كان يقوم بتعنيفها.

وعن كيفية دخولها إلى القطاع تقول نادية بأن والدها توفي وهي في سن الثانية عشرة وامها لا تملك أي دخل قار وصدفة جاءت امرأة تبحث عن «فتاة صغيرة» لمساعدتها في أعمال البيت فقبلت هذا العرض وظلت مع هذه السيدة تعمل طيلة 06 سنوات خلال أيام العطل وبعد ان أخفقت في امتحان الباكالوريا واصلت في هذه المهنة مثلها مثل أخواتها الثلاث بنسق يومي متواصل إذ تبدأ نهارها منذ السادسة صباحا بإعداد الفطور لأفراد أسرتها ثم تقوم بإيصال الاولاد إلى الحضانة المدرسية وبعد ذلك تنطلق في رحلة التنقل احيانا في الحافلة وأخرى في المترو وساعات سيرا على الأقدام وتقول نادية «ابدأ النشاط منذ وصولي إلى المنزل الذي اعمل فيه بتنظيف الغرف والأبواب والشبابيك ثم اغسل الصحون والأطباق وانظف المطبخ واغسل سيارة ربة البيت وأعرج في ما بعد على الحديقة لتنظيفها ومع الساعة الثالثة بعد الزوال اجهز نفسي للعودة إلى بيتي أين اقوم أيضا بكل أعمال التنظيف ثم أعد طعام العشاء وفي ما بعد اتوجه إلى الحضانة للعودة بالأطفال».

ورغم كل هذه المجهودات وفي ظل انسحاب الزوج تقول نادية بأنها كثيرا ما تتعرض إلى الضائقة المالية كما أنها أصبحت وبعد كل هذه السنوات من العمل المضني والمتواصل تعاني من عدة أمراض لا يمكن لها أن تعالجها لأنها ولسبب بسيط لا تملك دفتر علاج. وتقول في الأخير اتمنى ان اترك هذه المهنة التي ارهقتني كثيرا جسديا ومعنويا... اتمنى ان احصل على عمل قار استطيع من ورائه أن اكسب راتبا ألبي به احتياجاتي في الشيخوخة.

من رحم المعاناة تولد المقاومة

هادية تبلغ من العمر 58 سنة متزوجة منذ سن الـ19 ربيعا تسكن في حي التضامن في منزل مساحته 70 مترا مربعا وعندها 4 أبناء البنت الكبرى مطلقة وعاملة منزلية والثانية متزوجة وربة بيت وابنان أعزبان ويعملان بالأجرة اليومية اما الزوج فيحصل على منحة تقاعد بـ220 دينار.

لا تحمل هاد ية ذكريات سيئة حول عائلتها بل هي فقط تتذكر مشاعر الغبن التي تتملّكها عندما ترى بناتا في مثل عمرها يذهبن إلى المدرسة في الملاسين. تقول: ماتت امها وعمرها عامان عندها قرر والدها التنازل عليها لفائدة الدولة ولكن جدتها رفضت هذا القراروانتقلت بالاسرة للعيش في احد ارياف ولاية باجة وعندما بلغ عمرها سبع سنوات قدم والدها لاصطحابها للعمل في منزل في تونس العاصمة وظلت تعمل طيلة 8 سنوات ليأتي والدها كل سنتين للحصول على اجرها دون أن الحصول على مليم واحد مقابل تعبها وشقائها. وتوالت السنوات وهو يقوم بنقلها من عائلة إلى أخرى ثم يأتي لأخذ الأجرة دون أن يكلف نفسه أن يراها أو أن يسأل عنها في أحلك أحوالها خاصة إذا ما علمنا أن إحدى ربات العمل كانت على علاقة بوالدها وحاولت اقحامها في عالم الدعارة لكنها هربت من المنزل. لتجد نفسها في آخر المطاف زوجة لرجل متصاب أوقعها في شراكه والدها الذي خطط ودبر ونفذ.

تعيش هادية حاليا منفصلة عن زوجها منذ عشرين سنة لا تتذكر منه سوى اللوعة والخوف والرعب بسبب العنف الذي كانت تتعرض إليه ومع ذلك فهي لم تستطع أن تتخلى عنه تقول «لأجل أبنائي لا استطيع ان اتركه في الشارع هو الآن لم يعد يضربني لأنه يخاف من أولادي.»

حاليا تقول هادية بأنها تعمل في المنازل حتى تستطيع مساعدة ابنائها على الزواج لكنها في الان نفسه تتمنى من كل قلبها أن تنتهي هذه المعاناة.

وفي ظل زوج كسول سكّير وعاطل عن العمل ومتواكل ومطلوب حاليا للعدالة بسبب قضايا عنف وشغب تعيش فضيلة ام الثلاثة أطفال حياة الغبن فهي لا تشعر بالراحة في عملها في المنازل الذي دخلته منذ 12 سنة ولا بالطمأنينة تجاه المستقبل الذي يبدو قاتما بسبب كثرة الأعباء المتراكمة فهي تقول «يلزمني نخدم خدمة 3ايام في يوم واحد لكي اتحصل على مصروف صغاري ودراستهم وأيضا كراء الدار» ولا تتمنى فضيلة أن تنهي مسيرتها في هذا القطاع المهمش والمهين للذات البشرية لأنها لا تجد فيه كرامتها كإنسانة أولا ثم كامرإة ثانيا مؤكدة أن منتهى أملها هو أن يواصل اطفالها دراستهم وفي ما بعد سيصنعون هم لها المستقبل الافضل.