الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مجتمع



تونس تصل الى المرحلة الثانية من الحجر الصحي الموجه

عيد الفطر....وبشائر النصر


الصحافة اليوم : سميحة الهلالي

لقد حتّم الظرف الاستثنائي الذي فرضته جائحة كورونا سنّ و ابتداع التباعد الاجتماعي كإجراء وقائي للحد من فاعلية الفيروس و تجنّب العدوى به وهو ما كان كفيلا بطبع حياة الناس بطابع خاصّ، طابع مختلف كل الاختلاف عن كلّ ما سبق أن عاشته البلاد قبل هذه الازمة. ردح من الزمان لن يُمحى من ذاكرة البشرية بسهولة، فلقد اختلطت فيها كل أنواع المشاعر والاحاسيس وتقلّبت تارة مشحونة بالخوف والرعب وطورا بالأمل والتفاؤل وحينا باليأس والقنوط وأحيانا بالتآزر والتكاتف...

أسابيع كانت ثقيلة ثقل الجبال على الجميع وكانت ندوات وزارة الصحة العزاء و السلوان ومدفع الآذان الذي ينتظره الجميع في متابعة لتطور الأحداث والعدوى في البلاد لحظات تكتم فيها الانفاس وتُشنّف فيها الآذان وتشرئبّ فيها الأعناق لمعرفة العدد اليومي للإصابات التي كانت في تزايد مخيف في ذات الوقت، تتعالى الدعوات تضرّعا لرفع هذا البلاء على الوطن وعلى سائر دول العالم، بالتوازي مع كل هذه المسارات لم يشذّ التونسيون عمّا بطبعهم وعمّا عرفوا به من التندر على مواقع التواصل الاجتماعي لعلّهم يوارون خوفا أو يكظمون حنقا أو ضيقا...ثم تتتالى الأحداث ويشتدّ الوضع تأزّما ووزارة الصحة لم تنفكّ عن تقديم بيانها اليومي الخاصّ بالوضع الوبائي بالبلاد والجميع ظلّ ينتظر صدوره بنفس الشغف طيلة كامل الفترة ...وظلّت كل المجالس العامة و الخاصّة على حدّ سواء تجترّ و تستهلك نفس المادة وذات الموضوع «الكورونا في تونس وفي العالم» في حين اختفت كل المواضيع الاخرى أو تكاد.

الكورونا طغت على كل مظاهر الحياة وعمّت ، و فصّل فيها العامّة القول و تفقّه وأفتى فيها الكلّ (عدد الموتى ،عدد المصابين، كيفية التوقي ) كل الأيام متشابهة في مجمل ما تحمله من أحداث مختلفة فقط في بعض التفاصيل...الجميع يدلي بدلوه في هذا المجال استنادا لدراسات ورجوعا لتاريخ الاوبئة أو بما يتم تداوله في مواقع التواصل الاجتماعي ...الكلّ يلتقي في فضاءات التواصل الاجتماعي ولكن بعيدا عن الأحباب والأهل والأقارب انصياعا للإجراءات المعتمدة في التوقي من هذا الفيروس اللعين ...وغيّبت كورونا الجميع عن الجميع وكانت التجربة جديدة منفردة صعبة إلى أن حلّ شهر رمضان، فكان استثنائيا بجميع المقاييس ومعه بدأ الاهتمام بفيروس كورونا يأفل شيئا فشيئا حتى بيان الوزارة أصبح يصدر في ساعات متأخرة من الليل وبدأ الملل والرتابة يستبد بالجميع ورغم ذلك ما تزال متابعة الوضع الوبائي مستمرة ولكن بمشاعر مختلفة عمّا كانت عليه البدايات، إذ انخفض فيها منسوب الخوف و طفا على سطح الأحداث بريق أمل مع ظهور أول «صفر» مسجّل على مستوى حالات العدوى في البلاد ومن ثمّ بدأت الاصفار تتتالى ليرافقها ارتفاع في منسوب الأمل من تعافي تونس من هذا الوباء العالمي.

لقد شلت البلاد شللا تاما وتسللت مشاعر الغربة والاغتراب في نفوس كل الناس فالجميع يتدثّر بذكريات الماضي و يتلحّف بأمل عودة الأمس القريب وبات كل فرد يحمل همومه ويبحث عن حلول لها بين معطل عن عمل يغالب الحياة ليحيا وآخر يبحث عن سبيل للخلاص من قيده والالتحاق بأبنائه الذين فرّقته عنهم الجائحة وآخر يناجي الخالق لشفاء مصاب من عائلته وآخر يطلب الصبر لفقدان عزيز أصيب ...محن مختلفة موجعة ومرّة لم تكن في الحسبان ،ضائقة يظن كل من عايشها أنها شبيهة بكوابيس الأحلام ...وبدأت الحياة تدب من جديد في البلاد ترافقها موجة من التفاؤل أمام تتالي تسجيل صفر حالة من الاصابة بالعدوى على امتداد خمسة ايام على التوالي هذا الصفر المحمود الذي يؤشر للسير في الطريق الصحيح وينذر باقتراب ساعة الفرج و موعد الخلاص مع ما يصاحبه من دعوات لمزيد الحذر ومواصلة الالتزام بتدابير الوقاية للخروج بالبلاد إلى بر الأمان ...ربما يكون لعيد الفطر مذاق خاص مع «أصفار» كورونا رغم مرارة البعد عن الأحباب والأقارب.

عيد الفطر هذه السنة بدا مختلفا كل الاختلاف عن سابقيه ،عيد غابت فيه كل الطقوس والشعائر والعادات الجميلة الموروثة وتفرّق فيه الأحباب إجبارا لا اختيارا ومنع فيه السفر والتنقل بين الولايات باعتبار أن التنقل بين المدن مازال يمثل خطرا على صحة المواطنين .مناسبة ستغيب فيها صلة الرحم ماديا ولكنها ستتواصل عبر التكنولوجيات الحديثة التي ستقرب المسافات وتهوّن مشقة الغربة والغياب . فمناسبة العيد لن تمثّل و لن تكون الاستثناء من اجراءات السلامة و التوقّي من كورونا بل إنّ الحذر والاستجابة للتوصيات والتحذيرات لمواصلة الالتزام بشروط الوقاية والابتعاد عن أماكن الاكتظاظ وتجنّب تبادل الزيارات بين الأقارب والتحلي بالصبر إلى حين انقشاع هذه الأزمة والوصول إلى بر الامان ،كلّها مجتمعة ، وإذا اجتمعت تعدّ الخطوة النهائية نحو قوس النصر و ساحة الانتصار .فهذا العيد لا استضافات فيه ولا تناول لوجبة غداء مشتركة ولا تنقّل من بيت لآخر من أجل المعايدة و التزاور فهو عيد التباعد الاجتماعي رغم بعض الشكوك حول مدى التزام عدد كبير من المواطنين بالإجراءات إذ سيتمرد بعضهم على كل تلك التحذيرات نتيجة العبث و اللامبالاة و الاستهانة و الاستخفاف فلا مفاضلة بين الالتزام بالحجر الصحي وبقواعد السلامة وبين زيارة لسويعات ثم تنقلب حياة العائلة المعنية على إثرها رأسا على عقب عند الإصابة بالوباء والدخول في دوامة العلاج والتي ستكون نتائجها وآثارها حتما أشدّ وطأة من الحجر الصحي في حد ذاته وستكون موجة الخوف والندم وجلد الذات أشدّ قساوة من العدوى في حد ذاتها. إن فيروس كورونا لا يعترف بالأعياد ولا بالمناسبات ولا يفرّق بين فرد وآخر ولا بين المستهتر والواعي وإنما يتربّص بالجميع ومازالت آثار العدوى و موجات تسرّبها تتهدد عديد الدول ولم تُجْدِ معه أي حيلة مادامت المخابر المتجندة في شتى أنحاء المعمورة لم تتوصل بعد لتركيبة اللقاح المنشود وإلى حين تلك اللحظة لا ضرّ و لا ضرار لو يتحلى الجميع بالصبر ولْتَخْتَفِ كل المظاهر المألوفة والتي تمثّل منفذا لتسرّب العدوى و حصول انتكاسة على مستوى ماتم إنجازه من نجاحات ،وليكن هذا العيد استثنائيا مع جرعات من الصبر الجميل فالقادم سيكون قطعا افضل وساعتها يحقّ لنا الاحتفال بالانتصار على الفيروس وعندها سيجتمع الشمل وستنسى الأحزان وستبقى مجرد ذكرى عابرة.

من المعلوم أن هذا العيد سيكون مختلفا عن سابقيه وربما عن لاحقيه ، فلا صلاة عيد في الجوامع ولا زيارات ولا مجالس ، وحدها العائلة النواة ستكون المستقرّ و القرار، ولكن العزاء و السلوان ، و ما يجعل البلوى هيّنة هو إدراك الجميع بـأنّها ليست إلّا ظروفا استثنائية فرضتها الوقائع و كرّستها الأنساق و الأحداث المتسارعة التي ساقنا إليها وباء كورونا .ومع هذا نسجّل استنكار العديد واستهجانهم لتواصل و استمرارية الإجراءات المشددة رغم النتائج المطمئنة المسجلة في ما يخص العدوى بفيروس كورونا رغم الرفع التدريجي للحجر الصحي وعودة الحياة للبلاد معتبرين أن هناك مبالغة في التقيد بالحجر الصحي مادامت البلاد بدأت في التعافي على حد تعبيرهم هؤلاء يستعجلون الخلاص فقد ضاق صبرهم وأرهقهم الصبر القليل. كما لا يخفى أن الاعتياد على سماع أخبار كورونا والتخلّص التدريجي من دوامة الخوف جعل البعض يظنّ أن الوضع تحت السيطرة في حين وجبت مواصلة التقيد بالنصائح المسداة من قبل وزارة الصحّة والعمل على تطبيقها بحذافيرها دون نقصان (استعمال المعقم، غسل اليدين، التباعد الاجتماعي، استعمال الكمّامات...) للمحافظة على سلامة الجميع وغلق جميع المنافذ لتسرّب العدوى وتعزيز المجهود الوطني في التوقي من الفيروس. فلقد أثبتت الإجراءات المعتمدة نجاعتها ولعلّه بالرجوع و الاستناد إلى النتائج المنجزة تكون بلادنا في مصاف الدول التي نجحت في التصدي للوباء و الحدّ من فاعليته لذلك فإن مواصلة انتهاج المسلك نفسه سيمكن من التعافي كليا والحرص على عدم بعثرة الأوراق و إعادة توزيعها خلال عيد الفطر سيجنب البلاد خطر ضياع المجهودات المبذولة خلال الأشهر السابقة وتجنيبها الدخول في أي سيناريو محتمل ربما تكون عواقبه وخيمة ونتائجه كارثية نسوق هذا الكلام خاصة بعد ما لمسناه من انفلات واستهتار خلال فترات رفع الحجر الصحي التدريجي التي لم تَخْلُ من إخلالات في أغلب الفضاءات ، فليكن عيد الفطر هذا العام بلا طعم ولا رائحة مقابل سلامة الجميع.