الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مجتمع



بين تصديق التنبؤات الفلكية و تكذيبها

الـــبـــحــث عــن الأمـــل المــنـــشـــود


الصحافة اليوم ـ جيهان بن عزيزة

ما أن نودع سنة إدارية جديدة ونستقبل أخرى حتى يتسمّر معظم المشاهدين أمام شاشات التلفزة بآذان صائغة لمعرفة طالعهم في السنة الجديدة مستمعين الى تكهنات العرافين والعرافات والفلكيين الذين تمتلئ بهم الشاشات العربية والتونسية وما تحمل لهم من أحداث فيتنقل المشاهد من محطة إلى أخرى ليتعرف على ما يقوله منجم كل محطة فربما بذلك يطمئنهم على مستقبلهم او يخبرهم ما الذي تحمله السنة الجديدة في طياتها من أخبار وأحداث...

 

يستمعون جيدا ويعلمون في سرهم أن كل شيء مرتبط بعالم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى وانه «كذب المنجمون ولو صدقوا» ولكن يستمرون في البحث عن بصيص أمل في تكهنات العرافين والفلكيين (بما يميزهم من كاريزما وقوة جاذبية وحضور وقدرتهم البارعة والرهيبة على التأثير على من حولهم كما يطلقون على أنفسهم ألقابا مثل دكتور أو عالم فلكي أو روحاني أو خبير فلك) وما يقولونه من كلام غير مفهوم وغير دقيق أحيانا بأن السنة الجديدة ستكون طالع خير وبركة عليهم على الصعيد الشخصي والمهني والعائلي وفقا لتواريخ ميلادهم والأبراج الفلكية التي تتوافق معها وعلى الوطن لا سيما وأننا عشنا على المستوى الوطني والعالمي على وقع عام لن يمحى من الذاكرة فعام 2020 كان عاما مختلفا عن الأعوام السابقة بعد أن شهد تفشي وباء «كوفيد ـ19» والذي طبع معظم أحداث العام وترك آثارا كارثية على الاقتصاديات العالمية وفرض قيودا على حركة الناس والعلاقات بينهم وسفرهم وتنقلهم بين البلدان وخلف آثارا نفسية حادة لمن فقدوا عزيزا عليهم بسبب الفيروس اللعين وفرض طرقا جديدة للتحية والترحيب بين أفراد الأسرة الواحدة وباعد المسافة بينهم وكان ضيفا ثقيل الدم على العديد من القطاعات الاقتصادية وأصحاب المهن الصغرى بعد أن تسبب في خسارة فادحة نتيجة فرض الحجر الصحي الشامل وأدى الى فقدان الكثيرين مواطن شغلهم وقد عاشت البلاد على وقع أزمة اقتصادية اجتماعية زادتها الأزمة السياسية سوءا وعدم التوافق بين الأطياف السياسية مما انعكس سلبا على أداء مجلس نواب الشعب وأثر أيما تأثير في نفوس التونسيين الذين حلموا بغد أفضل وبطبقة سياسية تكون عينا ساهرة على آمالهم وطموحاتهم وعلى تحقيق ابسط احتياجاتهم من أمن وسكينة وسبل عيش كريم ومرافق عمومية تسهل خدماتهم.

فظاهرة التنجيم وقراءة الطالع ليست جديدة أو وليدة اليوم إنما هي منتشرة منذ مئات السنين وفي معظم دول العالم وتتجدد مع بداية كل سنة حيث تحتل كتب الأبراج وتوقعات الفلك واجهات المكتبات على اعتبار أن علم الفلك غامض ومشوق وجذاب وبالتالي فقد استحوذ على اهتمام الناس منذ آلاف السنين وفي شتى الحضارات فلا غرابة أن الملايين من البشر مازالوا يؤمنون بالعلاقة المباشرة بين مصيرهم والنظام الشمسي وتأثير الكواكب على حياتهم وفي كل سنة جديدة يتسارعون لشراء الكتب المتعلقة بالأبراج لمعرفة التوقعات والمصير والطالع.

 

الهروب من الواقع المرير

 

ويفسر الأستاذ سامي نصر الباحث في علم الاجتماع لـ«الصحافة اليوم» ظاهرة متابعة تكهنات الفلكيين مطلع كل سنة جديدة بالهروب من مرارة الواقع باستعمال الوسائل الدفاعية ومنها أحلام اليقظة كأن يتخيل الواحد منّا بأن الغد أفضل حيث يلتجئ الإنسان الى الفلكيين والعرافين أو الى التطبيقات المتاحة الالكترونية على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي كشكل من أشكال البحث عن الأمل المنشود وهي ظاهرة لا ترتبط بفئة اجتماعية معينة بقدر ما تلجأ إليها كل الشرائح الاجتماعية وخاصة هذه السنة التي ميزتها احتفالات بنكهة مغايرة عن سابقتها من السنوات في ظل منع كل أشكال الاحتفال بسبب حظر التجول ومنع التنقل بين المدن والالتقاء بالعائلة على أمل أن يكون العام الجديد 2021 افضل من عام 2020 لذلك فإن المواطن التونسي يبحث عن أي بصيص من الأمل في تكهنات الفلكيين من اجل تحقيق الرغبة النفسية والاجتماعية للقطع مع الواقع الاجتماعي المتردي الذي غذاه الخطاب السياسي الذي يكرس ثقافة اليأس والإحباط.

ويرى عدد من الأخصائيين النفسيين أن ظاهرة التنبئ وتوقعات الفلكيين تشغل مساحات واسعة من وسائل الإعلام وشاشات الفضائيات وباتت تستقطب الناس على اختلاف مذاهبهم واعتقاداتهم وتفاوت ثقافاتهم وتطرح نفسها بقوة «بسبب اليأس والعجز والإحباط الذي نعيشه وعدم إمكانية تحقيق ما نصبو إليه بالوسائل الواقعية وهو ما يجعلنا نحلق على أجنحة الوهم والخيال فنجد في توقعاتهم متنفسا وبريق أمل».

ويظل بريق الأمل قائما حتى لو كان في تنبؤات غير حقيقية بعيدا عن الواقع الحقيقي الذي عاش على وقعه التونسيون في الربع الأخير من العام العاشر للثورة من تفاقم للأزمة الاقتصادية والاجتماعية كانت لها ارتداداتها على الوضع السياسي وعلى مسار الانتقال الديمقراطي لتصبح الأزمة شاملة وتغذي خطاب الكراهية والعنف السياسي والاجتماعي وبلغت الأزمة حد العجز عن إيجاد موارد مالية لميزانية العام الجديد (شُح في التمويل المحلي وأيضا الخارجي) وهو أمر يوصّفه بعض الخبراء الاقتصاديين على انه إفلاس غير معلن وقد مثلت حادثة الوفاة المأساوية للدكتور بدر الدين العلوي اثر سقوطه من مصعد مستشفى جندوبة أثناء تدخله لتقديم خدمة علاجية ابرز تمظهرات أزمة المالية العمومية وهي حادثة هزت وجدان التونسيين.

فقد أنهت تونس السنة الماضية غير المأسوف عليها عامها العاشر من الثورة وقد «خَوَتْ البطون وزاغت أي آفاق للتشغيل الذي هو ابرز عناوين كرامة الإنسان وغابت العدالة الاجتماعية وزاد الخطاب المعادي للحقوق والحريات وهو وضع يهدد بلا شك مسار عشر سنوات من الانتقال السياسي المأزوم بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية المعطلة».

وبين التصديق والتكذيب لما يقوله المنجمون يبقى الأمل قائما في أن يكون العام الجديد أخفّ وطأة علينا واقل أحداثا مأساوية والمفروض أن تتحمل الأطياف السياسية مسؤوليتها وان تفرض نوعا من التهدئة ومناقشة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والانفتاح على آفاق جديدة واسترجاع ثقة التونسيين وطمأنتهم عبر خطاب اتصالي حكومي يكون في مستوى مشاغل الشارع التونسي ويعكس همومهم ومشاغلهم.