الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مجتمع



العيد الوطني للمرأة هذه السنة يحتفي بالمرأة في القطاع الفلاحي

احــتــفــال بــطــعــم مــرارة الــتــهــمــيــش


الصحافة اليوم ـ جيهان بن عزيزة

مع اقتراب الاحتفال بالعيد الوطني للمرأة الموافق لـ13 أوت من كل سنة تنطلق المشاورات والمحادثات واللقاءات الثنائية في أروقة الوزارات المعنية ومنها بالأساس وزارة شؤون المرأة والطفولة وكبار السن للنظر في الطرق الكفيلة بالاحتفال بالمرأة التونسية في العديد من المجالات...

هي مناسبة لنقف على مدى انجازات المرأة ولتكريمها وفي الحقيقة ينتهي الاهتمام بها بمجرد مرور تلك المناسبة. محور حديثنا هنا هي جلسة العمل المشتركة التي جمعت كلا من وزيرة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن ووزير الفلاحة والصيد البحري والموارد المائية والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري التي انعقدت مؤخرا بمقر وزارة المرأة بحضور السيدة إيناس بالسعد نقّارة عضو المكتب التنفيذي للاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري مكلفة بالمرأة الفلّاحة والمعارض.

وتتنزل جلسة العمل هذه في إطار برنامج العيد الوطني للمرأة الموافق لـ 13 أوت من كل سنة والذي سيخصص هذه السنة لإبراز الدور الهام للنساء في القطاع الفلاحي وتكريم التجارب الناجحة للتحفيز على بعث مشاريع فلاحية نسائية مماثلة.

قد يكون الاحتفاء بالمرأة الفلّاحة في العيد الوطني للمرأة فيه من الرمزية الكثير اعتبارا لدور العنصر النسائي في القطاع الفلاحي واعترافا ضمنيا بنضالاتها وصبرها في كسب قوت يومها وعائلتها باعتبار دورها المحوري في التنمية ذلك أن 32.4 ٪ من جملة النساء في تونس تعشن في أوساط ريفية وتمثلن 50,4 % من مجمل سكان المناطق الريفية وأن جزءا هاما من تلك النسبة من النساء والفتيات تضطلعن بدور استراتيجي في تحقيق الأمن الغذائي وفي حماية المناطق الريفية من التصحر البيئي والسكاني وأن ٪79 من الناشطات في القطاع الفلاحي هن معينات عائليات عملهن غير محتسب لأنه غير مدفوع الأجر وتساهمن بصفة كبيرة في رفع مستوى عيش أسرهن ومقاومة الفقر غير انه كان من الأجدر على الوزارتين الدفع نحو تطبيق القانون من خلال تفعيل القانون عدد 51 لسنة 2019 المؤرخ في 11 جوان 2019 والذي جاء لتعديل الفصلين 21 و23 من القانون عدد 33 لسنة 2004 المتعلق بتنظيم النقل البري وذلك لبعث صنف جديد لنقل العاملين والعاملات في القطاع الفلاحي والذي مرّت عليه سنة منذ دخوله حيز النفاذ والذي جاء على إثر حادث المرور الأليم الذي جد بمعتمدية السبالة من ولاية سيدي بوزيد وأدى بحياة 13 عاملة و20 جرحى من النساء العاملات في القطاع الفلاحي.

واقع اجتماعي غارق في التهميش

وبالرغم من الإمكانات الهامة التي تتيحها المرأة في الوسط الريفي في تحقيق التنمية المستدامة بمفهومها الشامل فلقد بينت الدراسات والمؤشرات بأنهن تعانين من عدة صعوبات جمّة فأوضاع هذه الفئة النسائية هشة تتمثل في قلة حصولهن على الخدمات وارتفاع نسبة البطالة في صفوفهن والتي تساوي في تونس ضعفي نسبة بطالة الرجال وتصل في بعض المناطق إلى ثلاثة أضعاف كما أن 19.3% فحسب من النساء في المناطق الريفية لهن مورد رزق خاص بهن و3% فقط يمتلكن عقارا وتظهر الإحصائيات أنّ 33.3 في المئة فقط من النساء الريفيات منخرطاتٌ في منظومة الضمان الاجتماعي في قطاع فلاحي يعتبر أحد ركائز الاقتصاد التونسي حيث يمثل 9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي ويوفر 16 في المئة من فرص الشغل وهو يقوم بدرجة أولى على قوّة العمل النسائية حيث يستوعب حوالي نصف مليون امرأة أي ما يقدر بحوالي 43 في المئة من النساء الناشطات في الوسط الريفي من بينهن 32.5 في المئة أجيراتٌ في إطار العمل غير المهيكل داخل المقاطع الفلاحية والمزارع الكبرى.

و ساهم واقع المرأة الريفية الغارق في التهميش والذي ظهر بشكل واضح على الساحة الاجتماعية بعد تكرّر حوادث الموت الجماعي التي تتعرض لها النساء العاملات في المقاطع الريفية اللاتي يركبن ما سُميَّ في تونس «بشاحنات الموت» بعد اجتيازهن مسافات طويلة تصل إلى 20 كلم للوصول إلى موقع العمل بشاحنات أو جرارات فلاحية دون حماية من حوادث الطريق الوعرة التي تسلكها تلك الشاحنات ولقد بينت الإحصائيات الوطنية في هذا الصدد أنّ 10.3 في المئة من العاملات في الأرياف هنّ ضحايا حوادث الشغل منهن 21.4 في المئة معرّضات لمخاطر حوادث العمل و62.2 بالمائة يعملن في ظروف صعبة و18 في المئة يعملن في ظروف صعبة جداً .

لم تتوقف الكوارث الأليمة حيث رصد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية خلال الخمس سنوات الأخيرة 40 حالة وفاة و530 جرحى من النساء العاملات وذلك نتيجة ظروف النقل الكارثية و غير الآمنة التي تعيشها العاملات والعمال و هم في طريقهم للكفاح من أجل لقمة العيش على متن شاحنات الموت حيث أصبح للأخبار المتعلقة بانقلاب هذه الشاحنات فقرة خاصة في قائمة المستجدات اليومية و فقدت عبارات التعازي كامل معانيها أمام إعادة المأساةو تكرارها.

كما تعاني النساء الرّيفيات من الحرمان من الرعاية الصحية والتعليم حيث سجلت تونس نسبة 25 في المئة أمية في صفوف النساء الريفيات مقابل 15 في المئة عند الرجال الريفيين وفق ما أشارت إلى ذلك أستاذة علم الاجتماع فاتن مبارك في إحدى دراساتها الاجتماعية.

من جهة أخرى تعاني النساء الريفيات من الحرمان الاجتماعي والذي يندرج ضمن أبعاد الفقر التي قد تطال الفئات الاجتماعية وهو مرتبط بالتباينات الهيكلية المختلفة كالبنى التحية والإطار التشريعي والاستفادة من الخدمات الوطنية حيث نجد أن 73.5 في المئة من العاملات في هذا القطاع غير مؤمّنات ضد الأخطار المهنية هذا إضافة لغياب الإطار القانوني الذي يقنن العمل الفلاحي الموسمي باعتبار أن المرجع الوحيد هو قانون الشغل التونسي الذي يحدد فقط طبيعة العقد وبالتالي لا يتكيف مع طبيعة العمل الموسمي إذ تبلغ نسبة الأجيرات الثابتات 8.3 في المئة مقابل 38 في المئة من الأجيرات غير الثابتات وهذا ما يزيد من هشاشة وضعهن ويعرضهن أكثر للاستغلال الاقتصادي.

ومع كل حادث أليم للعاملات الفلاحات المنسيات في ربوع هذا الوطن المكلوم تهتز وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية وتزيّن بلاتوهات التلفزات بعدد من النساء الفلّاحات اللاتي تعلو حناجرهن من ظروف نقلهن المهينة، تمر الأيام تطوى الصفحات وتطفو أحداث سياسية لا تنتهي فضائحها ودسائسها مثلما نعيشه اليوم من فوضى عارمة تحت قبة البرلمان الذي لا يمت لمشاغل التونسيين بأي صلة كانت، تذهب الوعود أدراج الرياح يتناساها المسؤولون، تغض عنها الطرف دوريات المرور التي لا ترى شاحنات الموت تمر من أمامها ومع كل حادث أليم ينفتح الجرح عميقا موجعا لنرى حوادث النساء الفلّاحات تتصدر المشهد الإعلامي ويتجدد معها الحديث عن القرارات الحكومية العاجلة والمستعجلة التي أعلن عنها من اجل تحسين ظروف نقل العاملات الفلاحات والتي لا ترى النور .

قد يكون الاحتفال باليوم الوطني للمرأة بمذاق وطعم حلو ينسي المرأة الفلّاحة مرارة ما تعانيه من تهميش وقلة حظ في تطبيق القانون وفي نقل يحترم ذاتها الإنسانية قبل كل شيء .