الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مجتمع



سياسة الدولة تجاه أزمة كوفيد ـ 19 وفق ورقة بحثية للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية:

بين الموت الاقتصادي غير المتكافئ والموت البيولوجي غير العادل


الصحافة اليوم: جيهان بن عزيزة

هل نجحت الدولة فعلا في أدائها في مواجهة الوباء في الموجة الأولى؟ هل ضمنت العدالة بين جميع فئات المجتمع من خلال فرض الحجر الصحي الشامل؟ هل أمسكت الدولة في الموجة الأولى من تفشي فيروس كورونا العصا بطريقة تجعل الضرر مضاعفا على فئات دون أخرى عبر إقرار الحجر الصحي الشامل وحظر التجول؟ عدد من الأسئلة أثارها باحثون من خلال الكراس الرابع الذي نشره المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تحت عنوان «في تدبير أزمة كوفيد ـ 19. سياسات الدولة والفئات الأكثر تضررا» وهو كراس كتب إبان الحجر الصحي في تونس في سياق اتّسم ببداية موجة أولى من قبل باحثين وفاعلين خضعوا بدورهم للحجر الصحي وحاولوا أن يدونوا ويحفظوا للتاريخ والذاكرة واقعا وتجربة ومحنة وحقيقة اجتماعية ومن جهة أخرى قدم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية من خلال هذا الكراس مادة بحثية وتوثيقية وتحليلية للباحثين والفاعلين تمكن من تشخيص اثر سياسات الدولة على الفئات الأكثر تضررا زمن الوباء والحجر الصحي تحديدا وعلى مسألة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية قبل وإبان وبعد أزمة الكوفيد، قسّم الى أربعة أجزاء، الجزء الأول فيه قراءات ممكنة كمداخل تفسيرية وتأطيرية لما حدث ولأدائية الدولة زمن كوفيد ـ 19، المحور الثاني هو عبارة عن تشخيص لأثر سياسات الدولة على الفئات السوسيومهنية التي كانت هي الأكثر تضررا والمحور الثالث تطرق من خلاله الباحثون الى الظواهر الاجتماعية كالتهميش المجالي والهجرة غير النظامية زمن الموجة الأولى من الوباء.

 

وفي الوقت الذي تعيش البلاد على وقع حرب شرسة مع عدو خفي فتاك في موجة ثانية لتفشي الوباء مع التراجع عن كل إجراءات الموجة الأولى ما عدا حظر التجول الذي صار على مستوى جهوي مرتبطا بتطور عدد الإصابات جعلت الدولة وفقا لما جاء في تقديم الكراس بقلم الأستاذ سفيان جاب الله العصا تنزل بكل ثقلها على نفس الفئات التي صارت أكثر تضررا ولوحدها هذه المرة بعد أن أعلنت الحكومة ومن ورائها المصالح الطبية ضرورة التعايش مع الفيروس في ظل نقص كمي و كيفي كبير في الإطار الطبي وشبه الطبي ونقص فادح في التجهيزات الطبية والإمكانيات وترفض في المقابل الانتداب.

تبني الدولة لهذا الاختيار أي لسياسة التعايش في تدبيرها لازمة الوباء يفيد بأنها اختارت «موت الأقل امتلاكا لمناعة جيدة مقابل مناعة الاقتصاد» فعاملات وعمال المصانع وعاملات القطاع الفلاحي على متن شاحنات الموت وجدوا أنفسهم بين مطرقة حوادث الطريق وسندان الالتصاق بحكم عدم تطبيق التباعد الاجتماعي أثناء عملية النقل الى الحقول وعمال وعاملات النظافة في البلديات والمستشفيات ورواد الأسواق الشعبية المكتظة وممتهنو الانتصاب الفوضوي والعمال اليوميون و مرتادو وسائل النقل العمومي المكتظة هل يمكن تصنيفهم جميعا في نفس درجة التعرض لخطر العدوى كبقية الفئات الاجتماعية؟

 

تغيير في سياسات الدولة

وأمام سياسة «مناعة القطيع» التي اختارتها الدولة أشار الأستاذ سفيان جاب الله في مقدمة الكراس الى أن الوضع يتطلب تغييرا في سياسات الدولة وفي منظومتها الفكرية والقانونية والقيمية والأخلاقية وفي أدائيتها لدورها كدولة تغيير تضمن الحق في العمل والعدالة الاجتماعية والكرامة المواطنين، في دولة يجب أن تسهر على ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ولعل الحق في الصحة بحكم السياق أي الحق في الحياة أولها.

ففي الموجة الأولى ادعت السلطة انتصارا متسرّعا على الوباء وعادت الى سياسة النسيان والتناسي ولم تدع الى حوار مجتمعي من اجل تغيير نوعي في سياساتها وتنكرها لدور الدولة الضامنة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتجاهلها للحلول وعدم التوجه نحو تنمية عادلة ومتوازنة وتشريعات ضامنة للعدالة الاجتماعية وأداء حكومي ينفذ هذه الضمانات القانونية وسياسات الدولة، ثم داهمت الموجة الثانية الدولة ومهّدت لوجه جديد لسياسة الدولة بطريقة غير مباشرة عن مواجهة المجتمع لمصيره كل وقدراته واستعداداته في تحول وصفه الأستاذ سفيان جاب الله بالجوهري في خطابها وأدائيتها، لتتحدث عن عدم استعدادها لمواجهة هذا المصير مما يثبت أنها تنصّلت من مسؤوليتها وبات المجتمع يواجه مصيره بمفرده واكتفت الحكومة بتطبيق إجراءات زجرية منها إجبارية ارتداء الكمامات في الأماكن العمومية والفضاءات المغلقة ومنع الكراسي في المقاهي ومعاقبة المخالفين بخطايا مالية لإجبارية ارتداء الكمامات وتعليق جميع التظاهرات الثقافية وغلق دور السينما والمسرح وتعديل نظام العمل من خلال العمل بنظام الحصة الواحدة والتقليص في ساعات العمل فيما لم تقدم الحكومة إجراءات للحد من انتشار العدوى في وسائل النقل المكتظة والتي تشكل خطرا حقيقيا باعتبار صعوبة تطبيق التباعد الجسدي.

فالسياسة الأولى أنتجت الموت الاقتصادي غير المتكافئ في توزيعه وفي السياسة الثانية ستنتج موتا بيولوجيا غير عادل في إمكانيات التعرض إليه.

ويثبت الواقع الحالي ارتفاع عدد الإصابات بفيروس كورونا بنسق مفزع ليبلغ العدد الجملي للإصابات عتبة الـ 25 ألف إصابة وهو ما ينبئ بوضع اجتماعي وصحي كارثي لن يتاح فيه العلاج لجميع الفئات على قدم المساواة.