الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مجتمع



محاربة الفقر في تونس:

متى يتم تعديل البوصلة المجتمعية..؟


الصحافة اليوم : نورة عثماني

رسميا، ما يفوق مليون و700 الف تونسي يتطلعون اليوم في يومهم العالمي للقضاء على الفقر ، إلى الخلاص من معاناتهم اليومية مع الجوع الذي اضناهم كثيرا وبدد أحلامهم وأمانيهم في تحقيق حياة مستقرة وعيش كريم.

 

في مثل هذا اليوم الذي تعود ذكراه إلى تاريخ 17 أكتوبر سنة 1987، اجتمع ما يزيد على 100 ألف شخص في ساحة «تروكاديرو بباريس»- مكان توقيع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948 - تضامنا منهم مع ضحايا الفقر المدقع والعنف والجوع وتكريما لهم وانتصارا لقضاياهم التي ظلت إلى حد الساعة وبمرور كل تلك السنين قائمة الذات او ربما بشكل أكبر وأفظع يفضح سياسات الدول في شتى أصقاع الدنيا التي تنكرت لتلك الحقوق وجعلتها في آخر اهتماماتها، من أبرزها محاربة الفقر والقضاء على الجوع وإطعام البطون التي تتضور جوعا بسبب التفاف الساسة والحكومات محليا وإقليميا ودوليا حول الصراعات والحروب مما أنتج حالة من عدم الاستقرار حادت بالقضايا الإنسانية الاساسية وفي طليعتها مقاومة الفقر عن مسارها الطبيعي فتعطلت بالتالي معالجتها .

ان انتشار الجوع والخصاصة ليس حكرا على دولة دون أخرى حيث تذهب التقديرات المحيّنة لمجموعة البنك الدولي إلى أن التهديدات الجديدة التي تشكل خطرا على الإنسانية كجائحة كوفيد- 19 والصراعات السياسية والصراعات المسلحة وتغير المناخ - كثرة الفياضانات والحرائق - ستدفع مابين 68 و135 مليون شخص عبر العالم إلى براثن الفقر بحلول عام 2030. كما تشير أحدث البحوث والدراسات إلى أن تأثيرات الأزمة الصحية لجائحة كورونا التي تسببت في أزمة اقتصادية واجتماعية عالمية ماتزال آخذة في الانتشار ما لم تسارع بلدان العالم إلى اتخاذ تدابير مناسبة للتصدي لها لذلك وفي ظل هذه المخاطر المحدقة من كل صوب أصبح هدف المجموعة الدولية خفض معدل الفقر المطلق العالمي إلى أقل من 3 بالمائة بحلول عام 2030.

في تونس، رغم كل الجهود التي تؤكد الحكومات المتعاقبة انها بذلتها من أجل مقاومة الفقر ومن أبرزها إرساء منظومة الحماية الاجتماعية للحد من الفقر والإقصاء الاجتماعي وبرنامج المساعدات الاجتماعية للأطفال والعائلات المعوزة ومحدودة الدخل الا ان خارطة الفقر التي نشرها المعهد الوطني للإحصاء خلال العام الماضي فاجأت الجميع عندما كشفت أن نسب الفقر تفاقمت وزادت حدّتها في مختلف مناطق الجمهورية حيث تسللت الفاقة و العوز إلى اغلب الأسر التونسية وتدحرجت الطبقة الوسطى إلى مراتب الفقراء معلنة بذلك عن ميلاد طبقة من الفقراء الجدد في المجتمع هم أصحاب الرواتب الذين تقهقرت مقدرتهم الشرائية نتيجة ارتفاع كلفة المعيشة. إذ تشير الأرقام الرسمية إلى أن نسبة الفقر في تونس تقدّر حاليّا بـ15.2 بالمائة.كما يعدّ المعهد الوطني للإحصاء عدد التونسيين القابعين تحت عتبة الفقر بمليون وسبع مائة ألف تونسي من جملة أحد عشر مليون شخص، فيما يقدر البنك الدولي نسبة التونسيين المصنفين في خانة الفقر المدقع بـ3.5 بالمائة، إلى جانب 700 ألف من الفقراء لتكون النسبة 11.5 بالمائة أي قرابة مليون وربع مليون من الفقراء.

وتشير الخارطة الجديدة إلى أن نسب الفقر ارتفعت بشكل رئيسي في المناطق غير الساحلية وتحديدا بوسط البلاد وشمالها وبشكل أكبر في مستوى الوسط الغربي المتكون من ثلاث ولايات هي القصرين والقيروان وسيدي بوزيد ويعد هذا الإقليم وفق الدراسة احد أفقر الجهات بمعدل 29.3 بالمائة وقد ظهرت فيه أكثر المعتمديات فقرا في الجمهورية هي حاسي الفريد وجدليان والعيون من ولاية القصرين التي تعتبر أفقر ولاية في البلاد تليها القيروان في حين تحتل معتمدية المنزه ثم حلق الوادي وتليها اريانة المدينة المراتب الثلاثة الأولى في المعتمديات الأقل فقرا في تونس.

بعيدا عن لغة الأرقام التي قد تحمل في طياتها شيئا من التناقض الذي قد يغاير الواقع وماهو موجود حقيقة يكفي القول بأن الفاقة تفضح نفسها بنفسها من خلال العديد من الظواهر المجتمعية التي استشرت بشكل كبير في المجتمع التونسي ما بعد سنة 2011 وفي مقدمتها ارتفاع نسب الانقطاع المدرسي وتفاقم نسب البطالة التي عصفت بأحلام الكثير من الشباب وألقت بهم في مسار مجهول وضبابي جعلهم يرتمون فريسة لخيار الهجرة غير النظامية بدل البقاء في أرضهم التي تبخرت فيها أحلامهم وأمانيهم بمستقبل مشرق وزاهر.

ففي ظل التجاذبات السياسية وحالة التفكك الاجتماعي والتطاحن المرير على السلطة التي شهدتها البلاد طيلة السنوات الماضية وغياب التوزيع العادل للثورات بين مختلف ولايات الجمهورية ساهم في اتساع الهوة ما بين فقير ومتوسط وفاقمت الأوضاع الاجتماعية والمعيشية أكثر وكل ذلك بسبب غياب البرامج الهادفة وغياب الإرادة السياسية التي من شأنها أن تنهض بالبلاد فبدل أن تكون مقاومة ظاهرة الفقر هدفا مشتركا بين كل الأحزاب والأطياف السياسية سارعت هذه الأخيرة الى التناحر من أجل مصالحها الضيقة وتركت الشاب العاطل والمواطن الفقير والأطفال للعمالة والنساء المهمشات بين براثن الفقر يبحثون في القمامة ويشقون طريقهم بين عصابات الاتجار بالبشر وبارونات التهريب بحثا عن قوت يوم وعن غد أفضل.

المطلوب اليوم ليس البحث في مجرد تفاصيل الأرقام التي وان كانت ستعّري الظاهرة أكثر وإنّما التسريع في ضبط استراتيجية واضحة المعالم للحد من الفقر والقضاء على كل جيوبه بتوفير موارد رزق قارة والتوزيع العادل للثروات واعتماد خطط جديدة لتحقيق النمو في مختلف الجهات.