الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مجتمع



في الشأن التربوي

عندما يضفي التمييز الشرعية على العنف الرمزي تجاه الفتيات


يكتبه: خالد الشابي (❊)

 

عندما نتناول بالدرس والتحليل مسألة العنف بالوسط المدرسي فإن أول ما يظهر للعيان نوع محدد من أنواع العنف وهو الإيذاء الظاهر للغير والمرتبط أساسا بسلوكات وتصرفات معينة مسيئة للآخر وصادرة عن بعض المتدخلين في الوسط المدرسي. ويصنف هذا العنف صنفين : مادي ( مثل تكسير الأثاث أو تكسير التجهيزات وتعطيلها والعبث بالكتب والوسائل التعليمية والحرق والتدليس وإتلاف الوثائق...) وجسدي ( كالضرب والدفع والضرر البدني ...) ولفظي ( كالسب والشتم والتهديد والاستهزاء والسخرية والتحقير...) وهو الأكثر انتشارا في المدرسة.

 

لكن نوعا آخر من العنف يتعرض له التلاميذ ذكورا وإناثا لكن لا يظهر للعيان هو العنف الرمزي وتكون البنت التلميذة أكثر عرضة لهذا النوع من العنف من التلميذ الذكر. وحوله سنركز في هذا المقال ، انخراطا في حملة مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة «الكريديف» التوعوية الخاصة بهذه المسألة . فما هي مظاهر العنف الرمزي المدرسي ضد البنات ؟ وما هي آثاره السلبية على العدالة المدرسية بين الجنسين ؟

إيذاء الآخر هو العنف

للإيذاء مفاهيم متعددة حسب الفهم السائد في المجتمع وحسب الاشخاص الممارسين له لكنه حسب النظريات الاجتماعية هو تصرف لاعقلاني يقوم به شخص أو أكثر ضد آخرين ويتعارض مع الاطار القانوني العام في المجتمع ومع القيم السائدة فيه. وعادة يشعر منفذ الايذاء بالنشوة وهو يعبث بإنسان آخر أو بأشياء عن وعي أو دونه . وهذا العنف يحدث في المجتمع كما يحدث ما يشبهه في الوسط المدرسي إذ أن الحدود بين العنف في الوسط المدرسي والعنف كظاهرة اجتماعية ليست واضحة إذ توجد بينهما روابط خاصة تلك التي تربط التلاميذ بالمدرسة. لذلك يأتي العنف للمدرسة من خارجها لأنه ليس من وظائفها إنتاج العنف لكن بالإمكان تعلم العنف وممارسته في فضائها بحكم التفاعلات التي تحدث فيه بين الفاعلين في المدرسة والتي ينتج عنها توتر خفي لا يشعر به الجميع بنفس الحدة ويؤدي إلى الحياد عن القواعد المنظمة للعيش داخل المدرسة وبالتالي إلى العنف .

ولهذا التوتر أسباب عدة من أهمها ما يتعلق بالمدرسة مثل النتائج المدرسية والزمن المدرسي والعلاقة البيداغوجية والعلاقة بالمعرفة وأزمة التواصل والسلوك المنافي للأخلاق العامة والبرامج .. ومنها ما يتعلق بالأسرة مثل التفكك العائلي والمنزلة الاجتماعية والاقتصادية للعائلة ... ومنها ما يتعلق بوسائل الاعلام والاتصال مثل الإعلانات وبعض البرامج التلفزية والوسائط التكنولوجية والأنترنات ووسائل التواصل الاجتماعي ... ومنها ما يتعلق بالتلميذ مثل الشعور بالتهميش والاقصاء الاجتماعي أو المعاملة غير الانسانية كالاحتقار والشعور بالتمييز وغياب الانصاف وتكافؤ الفرص وصعوبة التكيف المدرسي والفشل الدراسي...

ومن أخطر أنواع الإيذاء هو العنف الخفي وهو العنف الرمزي الذي يتعرض له الذكور كما الاناث في الوسط المدرسي لكن بتفاوت . ورغم أن الاحصائيات تغطي غالبا حالات العنف اللفظي والعنف الجسدي والعنف المادي في الوسط المدرسي إلا أن كل الدراسات حول هذه المسألة تتفق على أن البنت التلميذة هي أكثر عرضة لهذا النوع من العنف لكن الأسباب والآليات تختلف حسب خصائص المجتمعات وحسب المعتقدات والتمثلات والقوالب الجاهزة السائدة فيه . فهل يظهر ذلك في الوسط المدرسي بتونس ؟

التمييز سبب العنف الرمزي ضد الفتيات

إذا انطلقنا من تعريف عالم الاجتماع الفرنسي « بيير بورديو» فالعنف الرمزي عموما هو آلية خفية تستعمل لإضفاء الشرعية على سيطرة طبقة على أخرى لفرض هيمنتها وسيادتها عليها، مما يساهم في ما يسميه عالم الاجتماع الألماني « ماكس فيبير» بتدجين المهيمن عليه . نلاحظ إذن أن هذا التعريف يمكن إسقاطه على العنف الرمزي المسلط في الوسط المدرسي . إذ ينتج العنف الرمزي ضد الفتيات موضوع مقالنا من العناصر المسيطرة في المجتمع وهم الذكور عموما والأتراب من الذكور في الوسط المدرسي. كما ينتج العنف الرمزي من تطبيق بعض القواعد والقوانين التي تضفي عليه الشرعية وتكرس تمييزا بين التلميذ والتلميذة مثل فرض الميدعة على البنت وعدم فرضها على الذكر في الثانوي خاصة ومثل عدم التصدي للرأي السائد والتوجيه النمطي بأن البنات ينجحن في شعبتي الآداب والاقتصاد والتصرف وليست لهن القدرات الكافية لمتابعة شعبة التقنية مثلا ويبرز ذلك في بعض المؤسسات التربوية في بعض الجهات الداخلية التي لا تجد فيها إلا هاتين الشعبتين وإذا رغبت تلميذة في شعبة علمية عليها أن تنتقل من مدينتها إلى مدينة أخرى وهنا يكون تدخل العائلة حاسما في منعها من التنقل بحكم أنها بنت . كما نجد في برامجنا المدرسية صورا نمطية للمرأة تحكمها العادات والتقاليد وتلعب الدور الثاني في العائلة بعد الرجل رب العائلة وهذا ينعكس على صورة التلميذة لدى زملائها الذكور فلا تتولى قيادة عملية التعلم في القسم حتى وإن كانت متميزة في الدراسة رغم أن القسم تمارس فيه العدالة بين الجميع دون تمييز . ويظهر ذلك أيضا في عدم الاحتفال في المدارس بتفوق البنات على البنين إذ يعتبر ذلك إنجازا هاما في مجتمعنا وفي الباكالوريا يمر الجميع على الخبر مر الكرام بل ونحاول أن نجد التبريرات لتخلف البنين وكذلك الأمر بالنسبة للانقطاع المدرسي فليس هناك تمجيد لانخفاض نسب الانقطاع لدى البنات مقارنة بالذكور وكذلك نجد من يبرر للذكور ذلك ولا يثني على البنات تمسكهن بالدراسة والنجاح لأن البنت في مخيلتنا الشعبية ستتزوج وتهتم بتربية أطفالها عندما تكبر . وأخيرا لا يفوتنا هنا أن نذكر بالقصص المدرسية التي تقدم في عديد منها الصورة التقليدية للمرأة وتكرس تمييزا بينها وبين الرجل .

الآثار السلبية للعنف الرمزي

كانت تلك أمثلة عن مواطن التمييز التي تنتج العنف الرمزي ضد البنت في المدرسة. لكن من المهم أن نلاحظ أن للعنف الرمزي آثاره السلبية على المتعلمات رغم أنه متخف وصامت لكن تظهر الآثار السلبية من خلال وسائل الافصاح عنها باستعمال الاهانة أو التخويف أو التذنيب أو الاشعار بالنقص والتهديد بالفشل أو الاقصاء عن المجموعة أو نشر الاشاعة أو التمييز في المعاملة ...

وأمام تلك التصرفات وردود الأفعال تجد البنت نفسها مضطرة لقبول العنف الرمزي إن اكتشفته والتعامل معه على أنه عادي حرصا على النجاح وخوفا من الفشل . علما أن مجرد التفكير فيه قد يسبب للبنت صعوبة في التأقلم وشعورا بالنقص وبأنها غير معترف بها فتتجنب التواصل مع الاخرين ويضعف اهتمامها بالدراسة وأملها في النجاح .

ولتفادي ذلك فالمدرسة مطالبة بوضع معايير ثقافية موحدة مبنية على القيم المشتركة بين الجنسين ووضع قواعد عيش وسلوك داخل المدرسة دون تمييز وفرض المساواة بين الجنسين وتمرير محتويات تعليمية تكرس المساواة بين الذكر والأنثى واحترام الجنس الآخر والبعد عن النمطية عند عرض صورة المرأة مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف التلاميذ ووضع آليات لمرافقة المسألة ودعم آليات الاحاطة بهم .

إن التصدي للعنف الرمزي والتفكير في معالجته هو مسؤولية مشتركة بين جميع المتدخلين في الشأن التربوي يكون له صدى في كل المحامل كالبرامج والكتب والبيداغوجيا حتى لا تعيد المدرسة انتاج التفاوت وعدم المساواة التي يعيشها المجتمع.

(❊)باحث وخبير في الشأن التربوي