الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



نوافذ

ثمانون عاما على «غيرنيكا»



افتتح متحف بيكاسو في باريس، بالتعاون مع المتحف الوطني في مدريد، معرضا بعنوان «غيرنيكا»، احتفالا بمرور ثمانين عاما على إنجاز الجدارية الشهيرة، التي أنهاها بيكاسو عام 1937، وعرضت علنا للمرة الأولى ضمن المعرض العالميّ للفنون والتكنولوجيا المعاصرة التي كانت تستضيفه العاصمة الفرنسيّة، حينها كانت غيرنيكا ضمن الجناح الإسباني، إلى جانب أعمال للويس بونويل وخوان ميرو وغيرهما، ورغم أن البعض رآها لا تنتمي لسياق المعرض الذي يحتفي بالآلات والتكنولوجيا، إلا أنها نالت إعجاب الكثيرين، كبول إيلوار وإيرنست همينغواي، والناقد الفرنسي كريستيان زيرفوس، الذي قال حينها أن الأشكال فيها تمثّل تحديّا حقيقيّا للناس، كي يفهموا نتائج أعمالهم.

 

وتعتبر غيرنيكا من أشهر اللوحات في العالم، واحتجاجا سياسيا ضد الفاشيّة، وضد نظام فرانكو في إسبانيا، كما تحضر كرمز للمقاومة في عوالم الأدب والسينما والفنون الأخرى، وهي موجودة حاليا، منذ عام 1992، في متحف الفن المعاصر في مدريد، كما توجد نسخة مطابقة لها في مبنى الأمم المتحدة في نيويورك.

تفاصيل من تخطيطات الجدارية

نرى في المعرض السكيتشات والتخطيطات التي عمل عليها بيكاسو قبل إنهائه للغيرنيكا. كما نشاهد الدراسات البصرية واللوحات التي أنجزها عن مصارعة الثيران في الثلاثينات، وكيف استخدمها لاحقا في جداريته، معيدا تكوين الرموز الوطنيّة الإسبانيّة، فحسب تعبير الناقد الفنيّ خوان لاريا، الثور الذي نراه في غيرنيكا يمثل الشعب الإسبانيّ بوصفه منتصرا، أما الميتادور القاتل فمهزوم، كذلك نشاهد في المعرض بعض الصور من الحرب الأهلية الإسبانيّة، وخصوصا تلك التي تلتقط الرعب والدمار اللذين شهدتهما قرية غيرنيكا، في إقليم الباسك، بعد قصفها من النازيين والفاشيين، فضحايا فرانكو يحضرون في الجدارية، سواء كأشلاء جنود أو كنساء يصرخن ويتألمن، ومع ذلك يتجهن نحو الضوء وينرن الدرب نحو تحرير إسبانيا.

نتعرف في المعرض أيضا على الاقتباس الذي مارسه بيكاسو من الأشكال الفنيّة الأخرى، والذي اشتهر به واستخدمه في غيرنيكا، إذ نشاهد بوسترات البوب آرت التي انتشرت في تلك الفترة، والتي تحتفي بالمناضلين الشيوعيين ضد فرانكو وجمهوريته، إلى جانب اقتباسه لموتيفات وتكوينات من أعمال فنانين آخرين، سواء كانوا من معاصريه أو كلاسيكيين أو من العصرين الروماني واليونانيّ، ما يجعل غيرنيكا لا مجرد لوحة عن الحرب، بل تفكيرا وجهدا ووعيا بتاريخ الفنون البصريّة.

كل جزء وموتيف في الجدارية له حكاية، وكأننا في المعرض أمام رحلة شعريّة-تاريخيّة عن تطور الجداريّة الشهيرة، فغيرنيكا تصوّر المعاناة، لا النصر، وتنتصر للبشريّ الذي يسحق على يد الأنظمة الدكتاتوريّة، هي إعادة تكوين تكعيبي للخراب والألم، ومعادل بصري عن الصراخ والضجيج اللذين لا أشكال لغويّة لهما، هي أيضا قراءة للتاريخ الفنيّ والسياسي الغربيّ، الذي أنتج الأنظمة الفاشية والنازيّة، لتصبح كعمل فنيّ، لنفي التاريخ السابق وأنظمته، وبحثا جماليا، لإعادة تكوين الماضي وبحثا للحريّة المغيّبة فيه.

وبعد التعرّف على تاريخ غيرنيكا الفنيّ، ينقلنا المعرض إلى الأصداء والبعد التاريخي للوحة بعد إنجازها، والدراسات النقديّة والأدبيّة التي تناولتها، والمشاهير الذين تحدثوا عنها كبول إيلوار وكريستيان زارفوس، فغيرنيكا، اللوحة، هي حدث في العالم، ومحرك للسياسة، ففرانكو طالب بأن تحضر لإسبانيا عام 1968، وقوبل بالرفض الشديد من قبل بيكاسو.

كما أنها تنقلت في أنحاء أوروبا، ثم أمريكا، وبقيت في عهدة متحف الفن المعاصر في نيويورك حتى عام 1981، الذي تخلى عنها لصالح الحكومة الإسبانيّة حسب وصية بيكاسو التي نصت على عودة غيرنيكا إلى إسبانيا حين يتأسس فيها دستور وطنيّ.

ويذكر أنه أثناء العرض الأول للغيرنيكا في باريس، رافقته قصيدة لبول إيلوار، بعنوان «انتصار غيرنيكا»، وهي قصيدة دون علامات ترقيم، تعبيرا عن سخط إيلوار، ويقول فيها «النساء والأطفال يمتلكون ذات الكنز، في عيونهم، الرجال يدافعون عنه قدر ما استطاعوا/ النساء والأطفال يمتلكون ذات الأزهار الحمراء، في عيونهم، كل منهم يرينا دمه/ الخوف والشجاعة من الحياة والموت، الموت صعب جدا وسهل جدا/ رجال من أجلهم غنّى ذاك الكنز، رجال من أجلهم هُدر ذاك الكنز/ رجال حقيقيون لأجلهم اليأس/ يلهب نار الأمل/ لنفتح سويّة آخر برعم للمستقبل».