الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



جدارية

معرض قرطاج... ما لم يتم اختراعه


عمر الغدامسي

بعد أكثر من سنة عن اعلانها، أعلن معرض قرطاج في أواسط الاسبوع المنقضي عن نفسه من خلال بلاغ موجه للفنانين وللأروقة وللجمعيات الفنية ويتضمن دعوة لهم لتقديم مشاريعهم والقابلة للتبني والتمويل من طرف هذه التظاهرة. القارئ للبلاغ المذكور لن يفوته معرفة أن الامر في هذا البلاغ يخص أحد جوانب التظاهرة وهو تحديدا الجانب المتعلق بالجهات والذي تمت الاشارة اليه وفي أعلى البلاغ وبالبنط العريض تحت اسم – القسم الوطني – وهذا يعني ضمنيا أن هناك أكثر من قسم وأن البلاغ المذكور يندرج ضمن قسم مخصوص مما يعني للقارئ أن التظاهرة لم تعلن عن مضامينها الكلية بل عن جانب منها، حظي بأسبقية الاعلان لأسباب اجرائية وهو ما يوضحه الأجل المذكور في البلاغ والخاص بتاريخ اخر يوم محدد لاستقبال المشاريع المرشحة.

لا يمكننا الجزم في الأسباب التي دفعت بعض الناشطين والفنانين الى رسم صورة عن قرطاج التشكيلية من خلال ذلك البلاغ والذي، كما يذكر عنوانه، محدد بقسم معين، من جملة الاقسام الاخرى التي تختص بها أغلب التظاهرات المماثلة في العالم. هل الاسباب تعود الى مشكلة اتصالية أم هي تتعلق بتلك الرياضة الشعبية الاولى لدى التونسيين ما بعد 14 جانفي 2011، أي رياضة التشكيك والأحكام المتسرعة وما يرافقها من تمارين صناعة الاحتقان، أم أن السبب يعود الى حالة الانتظار لهذه التظاهرة واعتبارها ضرورة وذات أهمية للقطاع وللفنانين ممّا جعل الحماس ملتبسا بالخوف من الاقصاء والانتظار مرفوقا بالخوف والتوجس؟ قد تكون هذه الاسباب جميعها وراء تلك المواقف والمصادرات التي توزعت هنا وهناك بما فيها من غث وسمين ومساعي بناء وتهديم.

وبالعودة الى البلاغ المذكور فإنه يمكننا الاشارة الى أنه قام على عنصرين أساسيين، كان بالإمكان التوقف عندهما لصياغة اضافات أو مقترحات او حتى لأي رفض مبني على أسس نقدية تتجاوز حبر الدغمائية والشعبوية. العنصر الاول والذي قام عليه البلاغ يخص الجهات. أما العنصر الثاني فيخص الأساليب الفنية المعاصرة.

ضمن هذه الورقة ارتأينا الكتابة عن هذين العنصرين شديدي الاهمية، في اعتقادنا، وذلك بدافع أساسي الا وهو انقاذ ماء وجه هذا القطاع الذي أصبح وللأسف يعرف التهافت الهيستيري والصراعات الجانبية أكثر مما يعرف الصراعات الفكرية والقائمة على الجدال المفيد والقائم على التواضع والتحفظ.

فالعنصر الأساسي الأول والذي قام عليه البلاغ المذكور، أي الجهات الداخلية، يبيّن ضمنيا الخصوصية المنشودة لمعرض قرطاج، مقارنة بما يوجد من تظاهرات تنتظم في عواصم العالم تحت اسم «آرت فاير» والتي هي عبارة عن أسواق تجارية للفن تنتظم في نطاق مكاني ومجتمعي ضيق السلطة فيها إما للاروقة الخاصة والمتمكنة ماديا والقادرة على تغطية تكاليف مشاركاتها الباهظة لابراز وتسويق خياراتها الجمالية أو للمؤسسات الفنية الكبرى والمؤثرة في خيارات السوق وتوجهاته من خلال محترفين كبار في عالم سوق الفن، هذه الظاهرة ورغم أهميتها في تسويق الفنون الحديثة والمعاصرة الا أنها كانت في ذات الوقت على حساب تجارب وفنانين واعدين أو مهمشين أو ممن بقوا خارج قائمات التسويق والترويج والتي لا يمكن تصورها مفتوحة لكل الجيدين. إن تلك الظاهرة من «الآرت فاير» كانت ايضا على حساب نشر الفن بقيمه الانسانية والثقافية التي لازلنا نحتاجها، اكثر من أي وقت مضى، في تحصين مجتمعاتنا من آفات الارهاب والتكفير والانغلاق. فإختيار ذلك البعد الممتد داخل الجهات يؤسس ومن خلال معرض قرطاج لرؤية مخصوصة تميزنا عمّا يوجد في «ارت فاير» أبو ظبي أو بيروت أو مراكش. رؤية نابعة من ثقافة مغايرة لا تزال ترى في الفن قوة بناء واصلاح، وذلك رغم ما يمكن تنتجه مثل هذه الرؤية من انزلاقات قد تكرس عهودا عهدناها من التسطيح والابتذال باسم الفن، الا ان حصانتها ممكنة من خلال ما أصبحت تبديه طاقات الفنانين من اهتمام ملفت للفعل والابداع في مناطق وعرة وقصية داخل تلك الجهات وهنا نأتي للعنصر الاخر الهام والذي يخص الاختصاصات التي تم ذكرها في البلاغ الصادر مثل الفوتوغرافيا وفن الأماكن القاحلة المدنية والصناعية وفن الشارع والفن المترحل الى جانب فنون الفيديو والهابنينغ وغيرهم مما ذكره البلاغ. فهذه الفنون لم يتم اختيارها أو فرضها على الفنانين التونسيين، حتى يتم التشكيك فيها أو اعتبارها طارئة أو هجينة، لأننا لو تمثلنا مثل هذه الطريقة في التفكير فسيكون الاحرى بنا اطلاق نفس الحكم على فن اللوحة المسندية والنحت والحفر وحتى النسيج الفني. أما بالعودة الى حركة الفن في تونس منذ تاريخ 14 جانفي 2011 فإننا نلاحظ وجود كم ملفت من المشاريع الفنية والتظاهرات الفنية المعاصرة التي كانت وجهتها الجهات الداخلية، والتي مثلت جميعها وبشكل ما أشبه بالهجرة نحو المناطق الداخلية، يكفي هنا التذكير ببعضها كتظاهرة فن الارض بشط الجريد وتظاهرات فنية مماثلة في الحوض المنجمي والكاف وشنني وسجنان وجربة والجم وجهات أخرى عديدة، بالاضافة الى ما كشفته تلك الجهات والمدن الداخلية من طاقات ومبادرات عديدة كشفت عن تجارب شبابية نفذت مشاريع فنية ملفتة وبامكانيات محدودة كان لها دور في ربط الفن بالفضاء العام وهو المبدأ الاساسي الذي يجمع أغلب تلك التخصصات التي حددها البلاغ المذكور.

إذا كانت تلك التخصصات تنتمي الى الفن المعاصر والذي لايزال مفهومه غامضا وقابلا لأكثر من تعريف فإن ذلك لم يجعل منه فنا مضادا أو نافيا لما يسمى بالفن الحديث، ذلك أن مثل هذه المجالات لايتم التفكير فيها بمنطق الحروب الاهلية أو التطهير العرقي. فتظاهرة مثل معرض قرطاج لا يمكنها ان تنطلق من فراغ أو من وهم بوجود شيء لا وجود له، بقدر ماهي تنطلق من تخصصات وأساليب موجودة وحاضرة في مشهدنا الفني والهدف العام هو في كيفية جعلها اكثر مرئية وقوة جاذبة نحو المزيد من الخبرات وبأكثر فرص عمل ممكنة. والسؤال الأساسي يكمن هنا وهو في كيفية صياغة مجال يساهم في اخراج تجاربنا الفنية من حالة الغمور والمحلية لتأخذ المكانة التي تستحقها ضمن الخارطة الفنية في العالم.

ولعل هذا هو السؤال الاساسي الذي يطرحه معرض قرطاج... سؤال لا يحتمل الاجابات النابعة من مساحة التفكير الفاصلة بين العين والأنف.