الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع





الرسوم السعيدة


لا طعم للحياة من غير رسامين، أتذكر أني دخلت ذات مرة إلى إحدى القاعات في منطقة «ماي فير» بلندن فرأيت رسوما لفنان بريطاني كان موضوعها الأساس ساحة بيكاديلي تحت المطر.

يومها سحرت بتلك الرسوم التي أضفت على الساحة التي مررت بها العشرات من المرات نوعا من الخيال الذي وددت أن يكون من اختراعي، وإذا ما كان الرسام قد برع في تصوير الساحة من مختلف الشوارع التي تقود إليها، فإنه في ذات الوقت كان مخلصا لعاطفته وهي تشيّد جسرا بين ما يُرى من المشهد وما لا يُرى منه.

هناك حيث تقيم شعرية المكان التي كانت تنبعث في أعماقي كلما وقفت متأملا مرح العابرين، رأيت شيئا من حياتي في تلك الرسوم، لا أعتقد أن أحدا من سكان لندن أو عشاقها ممن أتيحت له فرصة مشاهدة تلك الرسوم، لم ير ذلك الجزء الغامض من حياته ينبعث منها.

لقد سعى الرسام إلى تسجيل لحظة شخصية امتزجت من خلالها حساسيته البصرية بشعوره المبهج بالحياة، لذلك امتلأت رسومه بفيض مشاعره المُتسامية مثلما ضجّت بالناس والأشياء والمطر. رسم ما رآه، لكن من خلال عينين تبدوان مبتلتين بالدموع، حدث لا يمكن أن تلتقطه عدسات التصوير مهما أتيحت لها التقنيات من دقة، عين الرسام تتعلم الخيال من يده، فيما يتحكم الواقع بخيال عدسة التصوير.

حين رأيت تلك الرسوم ازداد إيماني بضرورة الرسم، الرسم ضروري لا لأنه يعيد اكتشاف المرئيات فحسب، بل وأيضا لأنه يهب تلك المرئيات حياة جديدة، يرينا ما كنا رأيناه في أوقات سابقة كما لو أننا لم نره من قبل.

لطالما نظرنا إلى وجوهنا في المرايا، لكننا نفاجأ حين نراها مرسومة، هناك شيء في الرسوم يعجز الواقع عن البوح به مباشرة، إنه الشيء عينه الذي يدفعنا إلى التمسّك بسحر الأشياء والعلاقات، وهو سحر ينبعث من أعماقنا ليضفي على علاقتنا بحواسنا نوعا من السعادة، ما لم يسعدنا الرسم فإن هناك خطأ يقع في مكان ما.

 


فاروق يوسف