الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



محمد أمين حمودة:

أزمة التشكيل العربي أزمة نقدٍ بالأساس



في غياب هذا النقد عبر ما يمارسه من تحليل ومساءلة، تظل هذه الطحالب تتكاثر يوماً بعد يوم بشكل هستيري في هذا المعرض أو ذاك، وبشكل تنتفي معه قيمة الأعمال الفنية العربية الحقيقية الرائدة. وعلى الرغم من كثرة هذه الطحالب تظل بعض التجارب الفنية ذات روائح جذابة تعبق في أنف المشاهد فلا يستطيع بذلك نسيانها، وهذا ما حدث معي بالضبط خلال رؤيتي لبعض الأعمال التشكيلية في أحد المهرجانات المغربية داخل ركام مهول من اللوحات التي تشي بنوع من القحط الفني. برزت لي أعمال التونسي محمد أمين حمودة ساطعة، فتتبعتها في صمت دون أن أفصح عن رغبتي في معانقتها والسفر في مجاهلها المتوارية كتابة، لأكتشف في الأخير أنني أمام مشروع فني متميز ومتأصل ومتجذر في التربة العربية، إنها أعمال متوهجة بألوانها الطبيعية وبعلاماتها الخفية ورموزها المتشابكة عبر تقنية الكولاج، أعمال نقلتني في غضون دقائق خارج القاعة وفي قلبي شيء من الفرح. إنها تشكل في نظري نموذجاً للأعمال الفنية، التي بات يصطلح عليها بالحساسية الجديدة في التشكيل العربي .

الجيلالي الغرباوي، ضياء العزاوي، لؤي كيالي، عزيز أبو علي وعباس صلادي. كل هذه أسماء عربية رائدة صنعت مجدَ ورقيَّ الفن العربي منذ بداياته الى اليوم. كيف ينظر محمد أمين حمودة على مدار كل هذه السنوات إلى إرث هؤلاء الرواد اليوم؟ وهل مازالت مشاريعهم الفنية ومفاهيمهم الجمالية صالحة اليوم لمعانقتها إبداعياً؟

ربما سأنحاز بهذا السؤال إلى ما هو أهم من أن أجيبك عن نظرتي لهؤلاء الكبار. ومن أنا حتى أسمح لنفسي بشكل من الأشكال أن أبدي فيهم رأياً أو موقفاً. بيد أن لدي موقفا خاصا حول هذه المسألة، موقف يراودني منذ فترة كبيرة: علينا لا فقط الاعتراف بهؤلاء الفنانين وعدم قتل من وافته المنية مرة أخرى، دعني هنا أختار لك مثالين ممن تفضلت بذكرهم وهما كلّ من الجيلالي الغرباوي وعزيز أبو علي، اللذان ربما يشتركان في المأساة والمعاناة بشكل عام. أما الأول فحاول الانتحار مرّتين وفي الأخير وجد ميّتاً على أحد مقاعد ساحات باريس بعد أن عاش اليتم والفقر والخوف من الوحدة. كل هذا لم يمنع الرجل أن يكون مفكراً بعمق في الفن ومنادياً بالتحديث والتجديد... أما الثاني فلا تختلف نهايته عن سابقه وربما أكثر درامية وعنفاً حيث عثر على جثته 45 يوماً بعد وفاته متعفنة مسجاة بين لوحاته في شقة له في إسبانيا. وما زالت الويلات تتهاطل على مثقفينا وفنانينا الى اليوم. الكل يعرف نهاية محمد حسين بهنس الأديب والفنان السوداني الذي وجد ميتاً في أحد ميادين مصر في 2013 من التشرد والجوع والبرد. ومازلنا نعيد نفس الخطإ ولا نتعظ مما حدث وسبق. علينا اليوم الاحتفاء بكل هؤلاء الأحياء منهم والأموات بكل أشكال الاحتفاء والاعتراف وبكثير من المحبة. وأن يقع تدريس أعمالهم وأخبارهم وأحوالهم. وهذا واجب الدولة والإعلام والمؤسسات والمجتمعات المدنية وغيرها حتى يعرف أطفالنا كبار فناني ومثقفي بلدانهم، اذ لا خير في أمة لا تعترف ولا تحترم نخبها ولا تحتويهم.

من الضروري اليوم وأحدثك الآن كباحث وأكاديمي، أن نعطي حيزا كبيرا لتدريس هذه التجارب التي أثرت أو على الأقل سجلت حضورا مهما في المشهد التشكيلي المغاربي والعربي وأن نراجع أنفسنا ونبحث بشكل جديّ حول ما دار ويدور حولنا الآن وهنا، وصولا إلى أقاصي إفريقيا التي أعتبرها أرضا طيّعة تنتظر من يحفر فيها ويخرج ما في باطنها. لقد أدرنا لها ظهورنا وبقينا شاخصين لما يحدث وراء البحر والمحيط. لماذا نتطلع هناك وما حولنا لا يقل أهميّة؟ ألم يتأثر بيكاسو بالأقنعة الإفريقية والفن الافريقي؟ ألم يتأثر ماتيس بصنائع وجدها بين الجزائر والمغرب والذي كان يقتني الكثير منها خلال زيارته لبعض دول شمال افريقية؟ ألم يتأثر كاندنسكي وكلي وماكه بالنور والضوء والمناخ الذي وجدوه عندنا؟ لماذا نذهب إلى الأبعد لنصل بعد عناء فنكتشف أن الأقرب هو الأهم؟

ماذا عن «الحساسية الجديدة» في التشكيل العربي؟

حسب تقديري، وقبل الإجابة عما أسميته بـ«الحساسية الجديدة» علينا أن نحدد المصادر التي نبتت منها هذه «الحساسية» التي سأحاول تبويبها في شكل نقاط:

• اللقاء الافتراضي للفنانين: الذي مهّد للقاءات دولية تنظمها جهات تعمل على برنامج وأهداف واضحة يكون العمل فيه بشكل مخبريّ وتجريبي. ولا أتحدّث هنا، عن بعض اللقاءات التافهة والتجارية التي يحكمها منطق الشلّية والمحاباة، دون مقاييس ومعايير محددّة لاختيار الفنانين من جهة وتحديد مشروع وبرنامج واضح، تكون مخرجاته معرضاً ومقالاتٍ. في غالب الأحيان يكون هؤلاء الفنانون «متقاربين» إن صح التعبير من الجانب الجمالي للمنجز.

• الأروقة المحترفة: التي تعمل على تبني الفنانين الشبان وتراهن على منجزهم وهم للأسف قلة قليلة. لكن ذلك لم يمنع من بروز أسماء جديدة لها تجربة محترمة ومهمة.

• البينالات والآرت فير: محطة مهمة واعتراف آخر بقيمة المنجز التشكيلي للفنان. بطبيعة الحال نتحدث عن البينالات المعترف بها.

كل هذا أفرز لنا زخماً كبيراً ونسيجاً تشكيلياً في المشهد التشكيلي العربي باختلاف المشارب والمفاهيم والمنطلقات المحركة لهذه المنجزات وطرق عرضها وتنصيبها. هذا لا يمنع من وجود التشابه والتقليد الذكي والأعمى لبعض التجارب الأصيلة كما أنّني من جهة أخرى أؤمن بتقاطع التجارب والتقائها كما سبق وذكرت.

اللوحة المسندية صارت اليوم أشبه بـ«الفن البدائي» عند البعض من النقاد أو دعاة ما بعد الحداثة الذين لا يملون من تكرار بعض المزاعم الفنية متناسين السياق الفني والجمالي والتقني الذي أفرز هذا الفكر الما بعدي في الغرب، كيف يرى ويقيّم محمد أمين حمودة بوصفه فنان لوحة بامتياز تجربة الخروج من إسار اللوحة المسندية داخل سياقها العربي؟

ربما هو رأي من الآراء أو موقف يقتنع به بعضهم ولهم الحريّة في ذلك. كما أن لنا الحرية في اعتبار أن هذه الرؤية على قدر من المحدودية ونقص في النظر. صحيح أن «فن اليوم» أصبح منفتحا ولا تستطيع تحديده أو «تسويره»، وخرج عن إطاره التقليدي نحو أماكن بمواد وبطرق عرض أخرى وبالتالي ولادة تسميات وأنماط أخرى. إلّا أن هذا لا ينفي القطيعة التامة أو «موت اللوحة»، لأن الذائقة الفنيّة غير مقولبة ولا مدجنة بل مختلفة اختلاف البشر وثقافاتهم. ولنتقدّم قليلا في فكرتنا. عندما نرى أكبر متاحف الفن الحديث والمعاصر في العالم اليوم. كما ستجد أنها مازالت تجهز جدرانها لتعلق عليها لوحات مسنديّة. دعك من المعارض الاستعادية لبعض معلمي الفن التي تنتقل من دولة إلى أخرى.

اليوم في متحف بويمانز بروتردام تعرض أعمال كل من أنسليم كيفر، برام بوغارت، ريتشارد لونج، جوزيف بويز، باسكيات، جورج بازلت وسورا. كل هؤلاء الفنانين هم فنانو اللوحة المسندية بامتياز. أنا من محبّي أنسليم كيفر الذي غيّر بشكل ما طريقة عرضه التي تتراوح بين القماش والتنصيبة ـ حسب رؤيته المسبقة لعمله الفنّي ـ إلّا أنه لم يترك اللوحة الثنائية الأبعاد. أحجام عملاقة ولوحات مثخنة بالأشياء والمواد المتنوعة ومع هذا مازالت مسنديّة تثير التساؤل والريبة حول حقيقة اللوحة وماهيّتها واللّوحة بالتالي لا تنتفي مع المعاصر. إنها حمالة لأفكار ومفاهيم تتوالد كلّ يوم. امتداد آخر وتحيين لها. امتداد لمقولة برزت منذ عصر النهضة الى اليوم قالها ليوناردو دافنشي بعد أن فهم أن « la pittura e cosa mentale» اللوحة هي شيء عقلي أو ذهني أو مفاهيمي. هذا المفاهيمي ومثلما وجد مستقرّاً له في اللّوحة المسنديّة والأمثلة لا تحصى ولا تعدّ، لم يمنع أيضاً انعتاقه منها، وترجّله نحو تعبيرات أخرى. فتداخلت الأنماط بعضها ببعض تحرّكها فكرة أو منطلق أو فلسفة ما.

 


أشرف الحساني