الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



«الهادي السلمي»

ريادة التجربة النحتية في تونس



إن تأمل المشهد النحتي التونسي الحالي، يثير عديد التساؤلات الجوهرية والملحة عن استمرارية الفن والنحت في المجتمعات العربية كظاهرة حضارية وثقافية جديدة. وفي إطار المتغيرات العالمية المعاصرة، تتزايد التحديات التي تفرضها العولمة على مجتمعاتنا. فلم نعد نرى في فنوننا سوى انجازات الماضي أو صراعات فكرية جدلية بين التقاليد والأصالة وبين الحداثة والمعاصرة، وهو ما يجرنا إلى التساؤل عن حقيقة حضور الفعل النحتي، وملامح تكوّن صورته الحديثة في ظل هذه التعقيدات والتحديات التي تواجه مجتمعاتنا المعاصرة. ومدى قدرة مبدعينا على مجابهة هذه التحديات وبلورة ما لدينا من زخم تراثي من أجل تأسيس خطابات فكرية، تؤهلنا لخلق رؤى مستقبلية تستطيع أن تسهم في رسم مسار حقيقيا للنحت المعاصر في المستقبل. حيث يعتبر الدكتور (عفيف بهنسي ) أن «مشكلة فن النحت تفوق تعقيدا مشكلة التصوير»، ذلك أن «الفنانين العرب في بداية هذا القرن لم يقبلوا على النحت بنفس الجرأة(...) لهذا فان فن النحت لم يظهر بقوة في البلاد العربية إلا منذ الخمسينات.» وهو ما يفسّر بروز العديد من التجارب النحتية العربية والمغاربية في أفق مازال يمتد لرؤية المشهديات المتفرقة التي استغرقت بعض مراحل هذا الفن، الذي يظهر تارة ويغيب في تسلسل تاريخي متقطع ليثبت ذاته ويسهم في بروز مجموعة من التجارب الإبداعية الرائدة في مجال النحت على اعتبار أن ميدان النحت يمثل في نظرنا مجالا خصبا لتعدد التجارب والدراسات والبحوث.

أما في تونس، فنتوقف عند مسألة النحت الريادي وقضية التأسيس لتوجهات نحتية حديثة تجمع بين الأصالة والمعاصرة من خلال تركيزنا على تجربة كل من النحات الهادي السلمي والهاشمي مرزوق وغيرهما... ويبقى الهدف الأساسي من دراسة أبعاد هذه التجربة النحتية، هو سعينا للخوض في واقع فنوننا وتجارب بلداننا فضلا عن محاولاتنا فهم واستيعاب خصائص ومضامين ميدان النحت، الذي لا يقل شأنا عن الرسم وبقية الفنون. كما يلبي حاجتنا إلى إنشاء مرجعيات تشكيلية وأخرى جمالية فنية نحاول أن نرى بها ما لدينا من زخم فني وإبداعي قادر على تأسيس التجربة الريادية.

في الواقع هي دراسة شغلتني لأعوام ، مازلت أبحث فيها عن مراحل تشكّل التجربة النحتية في تونس كظاهرة ريادية ساهمت في بلورتها عدة أطراف سياسية ومعطيات ثقافية وإيديولوجية بالوقوف على دراسة أبعاد الظاهرة التشكيلية فنيا وجماليا عبر تقصي أبعادها، وما توفرها من إمكانات إبداعية وجمالية تجريبية، لما تنطوي عليه أيضا من مفاهيم موضوعية في إنتاج أعمالا نحتية رائدة وتأسيس توجهات نحتية أصيلة ومعاصرة ولعل أبرزها على الاطلاق تجربة النحات التونسي «الهادي السلمي». كأبرز من مارسوا فن النحت في بلادنا باعتباره احد رواد التجربة النحتية. لما يحمله من تصورات يوضحها البحث المقارن بأكثر تفصيلاته فيوضح لنا مسيرة بناء وتطور جمالية فن النحت التونسي وقدرته على التبدل والتغير لحظيا مع النحت المعاصر. عبر إحالة معظم النظم الشكلية والتكوينات النحتية المتداولة إلى نظم فكرية إيحائية، تستند إلى مرجعيات عربية ورؤى غربية.

هنا فقط تحدث المفارقة عندما ننظر إلى ما أنتجته أنامل هذا الفنان الرائد «فتكون اللغة مادة وأداة، ما يؤدي الى فحص وتحليل التقنيات والأساليب والأدوات والمواد والوسائط والمحامل»،التي تكون جملة من العلاقات الإبداعية التقنية والجمالية والبحث في أصول مرجعياتها ومسبباتها، التي ترتبط بطريقة تفكير الفنان وفلسفته ونظرته المختلفة للأشياء. والتي تنعكس على أفكاره ومنجزاته، باعتبار أن هذه الممارسة النحتية فعل إبداعي وثقافي يطرح علاقة النحات بمجتمعه والمحيط الذي ينتمي إليه.

ورغم أن الممارسة النحتية المعاصرة في تونس لم يتجاوز عمرها نصف قرن، إلا أنها وبفضل براعة روادها ومهاراتهم التقنية والمعرفية، قد خاضت في مواضيع وقضايا عديدة، ترجمت في أعمال نحتية تنشد الانفتاح والتجدد والتنوع.

فهذه التجربة النحتية يمكن أن تؤسس لدراسة فنية جمالية ونقدية، كنت قد شرعت فيها انطلاقا في البحث في عوامل نشأة فن النحت في بلادنا ،عبر ربط الفن بفضاءاته وخاماته المتنوعة وخلق علاقات مختلفة بين عناصره التشكيلية كالخط والكتلة والفراغ والملمس والحركة.

و لعل أهمية هذه الأعمال المستحدثة، و ما أنتجته من جماليات تفرض علينا أن نقف عندها بالتحليل والشرح والاستنتاج، قد جمعت ما بين جمال الخامة و حداثة التقنية لإبراز أهمية التكوين الذي يتجلّى في دقة البناء والتركيز على ثنائية السكون والحركة والكتلة والفراغ. كما انطوت هذه التكوينات النحتية أيضا على أبعادا فنية تجسد الحركة في الخطوط والأشكال والأحجام بأساليب تعبيرية حديثة تبحث في متناقضات البحث التشكيلي لخلق علاقات جديدة تربط المنحوتة بالفضاء من حولها.

كما تفترض من النحات الرائد أن يجدد في أساليبه ويبحث عن أشكال جديدة ذات قوة مؤثرة وفعّالة ومرادفة لما يريد النحات التعبير عنه خاصة وان الأشكال التقليدية للنحت قد استنفدت كل معانيها وفقدت سحرها وحسها التعبيري لكثرة تناولها و تكرارها من قبل مدارس النحت الغربية وبعض التجارب العربية الرائدة حيث وجد الفنان السلمي ضالته في مواضيع جمالية تجمع بين أصالة المعنى وحداثة الشكل وهو ما تبرزه أعماله المعروضة حاليا في متحف الفنون بمدينة الثقافة التونسية .

فلحظة مشاهدة هذه المنحوتات الرائدة هي لحظة ولادة التذوق الجمالي الذي يكشف عن إمكانات للتحليل وإعادة البناء. وهو الأمر الذي يقع تناوله في علاقة التقني بالفكري و الجمالي من خلال إبراز تجليات الحركة في تجربته الفنية. ثم مقارنتها مع ما توصل إليه ميدان النحت الغربي من انجازات في عالم الحركة الفعلية في إطار ما يعيشه من تحولات فكرية وجمالية على مستوى الشكل والأسلوب والصياغة كموقف نقدي يستقرأ أفاق النحت الريادي التونسي ويبرز أثره في تجارب الجيل الثاني والثالث من حركتنا التشكيلية التونسية في ظل التحديات السياسية والثقافية التي تعيشها مجتمعاتنا العربية.

مراد الزارعي

باحث وناقد فني من تونس