الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



نوافذ

..مبدع البورتريهات المشقوقة



أبو بكر العيادي

ما انفك جواكيم رومان يسجل حضورا لافتا منذ معرضه الأول «أروبان تيبو» في باريس عام 2002، سواء في فرنسا أو خارجها، من إسطنبول وستوكهولم وأمستردام إلى برشلونة ونيويورك وميامي بفضل جهوده التي تبعث الحياة في مواد منذورة للتلف.

رأى هذا الفنان العصاميّ النور في مدينة لوهافر، المرفأ الشهير الذي كان قبلة الانطباعيين، فكان الميناء وبعض سفنه المتروكة للصدإ والتعرية من العناصر التي لفتت انتباهه منذ الصغر، لا سيما عندما بدأ التقاطها بآلة تصوير أهداه إياها أبوه عندما بلغ سن الخامسة عشرة.

وبانتقاله إلى باريس بعدها بثلاث سنوات للعمل في الإعلانات الإشهارية، اكتشف عالما فنيا آخر لا محالة، ولكنه اكتشف أيضا أن التآكل والتعرية والبلى حاضرة هنا أيضا حيثما ولّى وجهه، في شوارع باريس وساحاتها وأنفاق أرتالها، ما جعل أعماله الأولى، وهي سلسلة «الطباعة والبلى» مستوحاة من تلك المناخات.

وكانت تلك الأعمال في الأصل سلسلة من الصور الشمسية قام بمعالجتها بالتمزيق والقص والحرق واللصق، ليحوّلها إلى أعمال تأخذ شكل منحوتات أحيانا، وكان البورتريه بطبيعة الحال هو الموضوع الأساس في العمل الفوتوغرافي، فلما اشتغل في الإشهار، حاز قواعد الطباعة وصياغة الماكيت وطوّر علاقته بالورق والحبر لا محالة، ولكنه كان يتخيّر من اللوحات الإشهارية بورتريهاته، وهو ينظر إلى الوجه الآخر للإشهار، أي دورة حياته المعلّقة. وصارت اللوحات الإشهارية المعروضة في الشارع تجلب انتباهه، فيمزقها ليخلق منها بورتريهات، لأيقونات فنية وسياسية، يعالجها على طريقته فلا يبقى منها غير وجوه بشر مشروطة.

واعتاد رومان استعمال القفا الأزرق للمعلقة، كنظرة معكوسة للإشهار، وتشكيل لوحاته بقصّ الورق وتجميعه مع أشياء المعيش اليومي، ليعيد موضوعاته إلى محيطها الطبيعي، أي الشارع، في شكل جداريات، أو تكبيرها وتفخيمها قبل إعادتها إلى الشارع في شكل مهيب.

تعرية المجتمع الاستهلاكي

فهو ينجز أعماله بتطويع مواد مستعملة يحوّلها ثم يقترحها في صيغة سلاسل، مثل سلسلة «تعليق حرّ» التي تقدّم معلقات شوارع تتكدّس على الجدران بشكل مفرط كرمز لإنتاج بلا حد، وكذلك سلسلة «رجال مشروطون» التي تقترح بورتريهات لأيقونات سياسية وإعلانية أتى الزمن والبلى على رونقها ونضارتها فبدت ذابلة، مصفرة، مشوّهة بشكل أو بآخر، وفي هذا أيضا رمز لخضوع كل كائن إلى دورة زمنية محدودة، تليها نهاية محتومة.

وعلى غرار الدادائية والبوب آرت، يقوم عمل جواكيم رومان على تحويل ما نعرفه في شيء ما، فنكتشفه في وجهه الجديد بعد أن يكون قد خضع لرسكلة من نوع خاص، رسكلة فنية ذات رؤية مخصوصة.

والفكرة الثابتة في كل أعماله تحوم حول البلى، فهو وإن كان مثل بائع الأنتيكا الذي يقف مفتونا أمام مرور الزمن على الأثر الفني، يعجّل عاملي التعرية والبلى ويخرجها مخرجا فنيا فاتنا، وخير مثال على ميله للتعرية والتمزّق بالاستعمال والإتلاف ولو أن قاعدة فنه الأساس هي البورتريه المشقوق (الممزق بسكين أو مقص أو شفرة) والذي اكتشفه أول مرة في سراييفو عام 2006.

وفي رأيه أن في آثار الزمن نوعا من الإجلال، فلئن كان البلى في مجتمع الاستهلاك المفرط بشكل رهيب صنوا للتدمير والنفاية، إلاّ أنه يمكن أن يكون له وجه آخر في نظر الفنان، ذلك أن رومان يعتقد أن للتعتيق والهرم عدة درجات، ومن ثَمّ يحرص دائما، مثل مرمّم الآثار الفنية القديمة، على تحويل فائدة الأداة بجعلها أثرا فنيا يمكن تأمله.

ويمكن تحديد عمل جواكيم رومان كمحاولة لتحويل مشهد إعلامي اعتاد عليه المجتمع وتكيّف معه مرغما، غايته من وراء ذلك لفت انتباه المتلّقين إلى تلك المزايدة في معيشهم اليومي من خلال ما يسمّيه «حركة انتقامية»، أي نقد المجتمع الاستهلاكي، المهووس بإنتاج أشياء منذورة للتبديد والإهمال والإتلاف، مع ما يتبع ذلك من مشاكل بيئية، فالتيمات المفضلة لديه هي مفاهيم «الزمنية والبلى والبيئة الحضرية والاستهلاك العام».

وفي هذه المرحلة، كما بدت في معرضه الأخير المعنون بـ«خارج القماشة»، والمقام حاليا في «آرت أند كرافت» الباريسي، يلاحظ النقاد أن أعماله الخارجية في الخرق والشق والتمزيق لا تني تتطوّر، فما عاد يكتفي بالعلامات التيبوغرافية أو البورتريهات المخفية تحت طبقات من المعلّقات الإشهارية، بل صار يقوم بعملية إخراج فني بخلق تشكيلة معلقات ممزقة ومشقوقة ومتحللة، بدأها في إسطنبول وبرشلونة، ثم واصلها في حي بربيس بباريس، حيث أقام جدارية حاول أن يلفت بها أنظار الناس إلى خطر الاستهلاك على البيئة.

ذلك أن العمل في الهواء الطلق يسمح بالاتصال المباشر، لأن المارّة يدفعهم الفضول، المجاني أو المعرفي، إلى تبادل الآراء والأفكار مع صاحب الأثر، تماما كما يحصل داخل المتاحف والأروقة.

ويقول جواكيم رومان في هذا الصدد «أعتقد أنّ الفن بكل أشكاله يمكن أن يساهم في تحسيس الناس بالإنتاج الفائض عن الحاجة، الذي يولّد بدوره استهلاكا مفرطا يمثّل خطرا على البيئة».