الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



جدارية

لماذا انقاذ الرصيد الوطني من الأعمال الفنية؟!


عمر الغدامسي

يوم الاثنين المنقضي تم نقل دفعة من ألف عمل فني من اقبية قصر السعيد الى المكتبة الوطنية، وقد مثل هذا الحدث أهمية كبرى لكل مطلع ومتابع للشأن الابداعي والثقافي بتونس، ذلك انه يشكل بداية لنقلة نوعية عنوانها انقاذ الرصيد الوطني من الاعمال الفنية من الحالة المزرية التي عليها والتي تهدد وجودها وديمومتها لاسباب تتعلق بظروف الحفظ والصيانة داخل ذلك القصر العتيق بضاحية القصر السعيد والذي يحتاج بدوره الى الترميم والانقاذ بعد ان ترك فيه الزمن اثاره من تآكل ورطوبة، اثرت على حالة تلك الاعمال المحفوظة داخله.

فذلك الرصيد من الاعمال الفنية يمثل قيمة كبرى مادية و ثقافية، فهو يضم اعمال فنانين من مختلف اجيال مغامرة الفن ببلادنا منذ الرواد وصولا الى الاجيال الجديدة، بالاضافة الى اعمال فنية تعود الى رسامين أجانب عاشوا في بلادنا خلال الحقبة الاستعمارية.

فالقيمة المادية لجزء هام من تلك الاعمال، تحسب اليوم في سوق الفن بتونس وحتى خارجها بمبالغ كبرى تعد بالاف الملايين من الدينارات، أما القيمة الثقافية لتلك الاعمال، فتكفي الاشارة الى انها تؤرخ لتاريخ تونس المعاصرة، بكل ما يعنيه التأريخ من جوانب تهم الصورة بمعناها الواسع أي التوثيقي أو الجمالي والتعبيري الذي يعكس قيم نخبتنا وتواصلنا الثقافي مع وجودنا من خلال هذا الفن.

ما حدث يوم الاثنين المنقضي، كان حلقة عملية ومهمة جدا، قد لا يتفطن الى قيمتها من يحسن فقط ركوب الموجة والمزايدات المجانية وكل من ينتمي الى «خالف تعرف».

أولا إن انقاذ ذلك الرصيد، كان وقبل سنوات من منعطف 14 جانفي 2011 جزءا لا يتجزأ من الحرب ضد الاخلالات التي كانت متبعة، على مختلف الاصعدة، بما فيها الصعيد الثقافي، حيث وقبل ذلك التاريخ المذكور، كانت تصلنا صور غير مؤكدة ولكنها صارخة عن حالة ذلك الرصيد، ذلك ان حقيقة ذلك الرصيد ووضعيته يتم التعامل معهما بالكتمان والصمت. كنا نسمع اخبارا غير مؤكدة عن سرقات وعن عمليات تحيل باخراج اعمال اصلية وتعويضها باخرى زائفة، وعندما تم اجهاض كل المبادرات لاحداث متحف وطني للفن الحديث والمعاصر، حصلت لدينا فرضية بأن سبب ذلك قد يعود الى ارادة تريد ابقاء الرصيد على حالته، لأن بعث المتحف قد يؤدي الى الكشف عن تجاوزات قد تكون حصلت، وعندما كتبنا، وفي هذا الموقع عن ضرورة تكوين مختصين في ترميم الاعمال الفنية، صدر كلام من هنا وهناك يفيد بأن الاعمال المحفوظة ضمن ذلك الرصيد هي جديدة نسبيا واقدمها لا يتجاوز عمره القرن وبضع سنوات، وقد كان علينا ان ننتظر كل تلك السنوات ليكتشف الجميع هول الكارثة المحدقة والتي لو استمرت واحدثت اضرارا غير قابلة للاصلاح، فإن العار هو ما سيبقى يرافقنا، العار المتأتي من جشع البعض ومن صمت البعض الاخر ممن يحسبون على القطاع بعد منعطف 14 جانفي 2011، وما كشفه من حقائق موجعة، كان من بينها حقيقة وضعية ذلك الرصيد، تحركت ايضا طاقة الجشع لدى البعض، لمصادرة ذلك الرصيد وجعله ملكية خاصة، بهكذا مغريات اججتها حالة الفوضى وضعف الدولة، وبعضها كان من داخل الوزارة نفسها عندما تسرب اليها البعض من أدعياء الانتماء للقطاع وجاؤوا بفكرة توزيع ذلك الرصيد على متاحف جهوية مستغلين في ذلك جملة من الشعارات الشعبوية، من اجل تعويم ذلك الرصيد وتفكيك وحدته وبعثرته والله وحده كان يعلم هنا بالنوايا.

في المقابل كان وزراء الثقافة يقومون بزيارات لاكتشاف حالة ذلك الرصيد، ثم يغادرون معلنين عن هكذا اجراءات «طموحة» جعلتنا في احد مقالاتنا نشبهها باسطورة هرقل الاغريقي والذي فرضت عليه آلهة الاولمب تنظيف اسطبلاتها في وقت قياسي، عملية انقاذ ذلك الرصيد لم تبدأ يوم الاثنين المنقضي، فقد بدأت تحديدا في شهر أوت 2016 من خلال بعث لجنة ضمت خبراء ومختصين من مختلف مؤسسات الوزارة الى جانب فنانين وممثلين عن هياكل القطاع، منذ ذلك التاريخ، عملت هذه اللجنة في صمت وتحت اشراف مباشر من الوزير وديوانه، أي دون ضجة وأي توظيف اعلامي يستجدي كسب نقاط ما، حتى انه ودون ضجة تم في مناسبة اولى نقل خمسين عملا نحتيا من الاحجام الكبيرة الى المكتبة الوطنية، مما ساعد على اخلاء مساحات من مكان الحفظ لتسهيل عمل الفريق التقني.

لقد كان عمل اللجنة في جزئه الغالب تقنيا يخص مراحل نقل الاعمال من قصر السعيد الى المكتبة الوطنية بكل ما يصاحبها من رخص ووصولات وما يرافقها من اجراءات معالجة وانقاذ وترقيم وارشفة، أي ضمن تخصصات تستفيد من الخبرات والتقنيات الموجودة داخل الوزارة. في المقابل كان هناك عمل اخر مهم جدا تمثل في قدوم مختصين اجانب في الترميم لاجراء دورات تكوينية في المجال.

عملية انقاذ هذا الرصيد ستبقى مستمرة لفترة طويلة نسبيا وذلك لاسباب عديدة أولها الكم العددي للاعمال، ثانيا دقة وتعدد مراحل عملية الانقاذ، حيث انها لا تختصر وكما قد يتبادر للاذهان على المعالجة والترميم، بل وأيضا على التبويب والتوثيق والرقمنة وهي عمليات ضرورية ومن صميم عملية الانقاذ، أما السبب الثالث فيتعلق بالامكانيات المادية المتوفرة لتأمين مختلف هذه المراحل بما تحتاجه من تقنيات ووسائل وخبرات والتي يمكن ان تشمل ايضا حتى فضاء الحفظ الجديد بالمكتبة الوطنية وقدرته على استيعاب كل تلك الاعمال ضمن وضعية مناسبة.

ما حدث يوم الاثنين المنقضي، خطوة هامة جدا لانقاذ ذلك الرصيد الذي يعني الكثير، فهو وكما اشرنا يلخص ثراء وتنوع ذاكرتنا الابداعية والثقافية عبر اجيال متلاحقة من التونسيين الذين اختاروا الفن للتعبير عن هوية بلدهم أو للتعبير عن مسارهم الذاتي في ارتباطه بتونسيتهم، فبحفظ ذلك الرصيد وانقاذه اعتراف بجزء لا يتجزأ من تاريخ وثقافة تونس المعاصرة، وبصون ذلك الرصيد وتبويبه وتوثيقه مقاومة للفساد وصون للمال العام الذي صرف على ذلك الرصيد المليارات من المليمات.