الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



رؤى

الفن الاستشراقي..الغرابة والاستغراب



مازالت التداخلات الثقافية حتى أيامنا هذه قائمة على إبراز (الغرابة) كأحد المفاهيم العابرة للزمن، ومنها التداخلات في الفنون البصرية بين الشرق والغرب، التي نستكشف من خلالها معنى أن يكون التأثر والتأثير مجالاً لتثبيت الأداء الفني المتكرر، أو ما يمكن دعوته استعادة القوالب والشبكات البصرية التجسيدية، بموضوع وإن بدا اليوم نمطياً إلا أنه في حقيقته يحمل مجمل صفات الاختلاف في قراءة الواقعين الاجتماعي والثقافي. كما أن الدراسات النقدية والتحليلية قد حملت الكثير من الانتقادات لأطروحة الاستشراق في الفنون من قبل أكثر من جيل، وخاصة على المستوى الأكاديمي والمعرفي. فحملت في تضاعيفها الإمكانات النقدية المتطورة من الناحية النظرية، بحيث يمكن الإشارة إلى التفاوت بين استخدامات المصطلحات والمفاهيم زمن الاحتلالات الأجنبية للمنطقة، وفي فترات الاستقلال، ومراحل ما بعد الاستعمار، وكذلك إلى الموقف التحليلي من الرغبة في الآخر، وهو ما كان مثار جدال ونقاش وكتابات شملت الفنون والآداب وباقي العلوم المعرفية.

لقد شكل مفهوم (الاستشراق) سمات واضحة في الدعوة الى معرفة الذات، وباتت العلاقة فيما بين ذات الأوروبي الذي يتطلع من الناحية النظرية لبدء عصر جديد نتيجة التطورات التي حصلت في مجتمعه، والانطلاق في البحث عن حلول جديدة لإعادة بناء ثقافي يكون امتداداً لعصر التنوير تتضح فيه هويته. لكن هذه المرة عبر التأثيرات الثقافية التي جعلت من مجمل اشتغالاته - فيما بعد - محط الحيرة التي شغلته وهو يحاول أن يستولي على مجمل المعارف الكامنة في الذات الشرقية، ومن مختلف المستويات الفنية والعلمية لتكوين المعنى الحقيقي. داعماً ذلك الأداء المتكرر للخطاب الأوروبي في قراءة الواقع الجديد، في صورته السحرية التي تقصّد تغليفها بالبيئة العاطفية، وكل ما يترتب عليها من ظروف سياسية واجتماعية، كان أثرها واضحاً في الحملات العسكرية على الشرق. وهي حملات سياسية تواطأ فيها (التاريخي والثقافي) لاحتلال الأنماط الثقافية، ومصادرتها باعتبارها مادة لتصوير الآخر في أقصى حالات التطرف، وخاصة فيما تم تصويره للمخادع والنساء ولوحات الحريم التي حملت شحنة بالغة من (الغرابة) والتي تمكنت أن تخلق نظاماً تمثيلياً للأساطير الثقافية والجنسية السائدة حول مجتمع الحريم، الذي عكس الذات الأوروبية والتي تم العمل على إزالتها من خلال إبراز المواقع، وإضفاء الطابع المحلي، واعتباره النقطة المركزية في تحديد هوية المكان، بالإشارة في مختلف الأعمال إلى (الموضوعية) عبر البراعة في التقنية التي أضحت أسلوب الرسامين ، يتم عبرها التكرار لموضوعة تقسم الدوافع الاستشراقية إلى متحضر والأقل تحضراً، وإبراز معاني السيطرة من خلال خيال هو في أساسه لا موضوعي ، يتم عبره توثيق ما يعتبرونه الطبيعة الواقعية، والتي تؤكد وظيفتها التفاعلية للحكايات والأساطير الثقافية والجنسانية عبر تصوير المجتمعات التي يشكل مفهوم الحريم نقطة مركزية في اعتبارها اللغز الأكثر إثارة من خلال الجسد الأنثوي الرقيق، الذي يتكشف عن أسرار الشرق الغريبة.

وبغض النظر عن المسار التاريخي الاستشراقي، فان اختياره كموضوع معاصر للحديث عن حوار بين الشرق والغرب يثير الاستغراب، خاصة في المنتديات الغربية التي يدعمها أصحاب رؤوس أموال من الشرق ذاته، وخاصة من العرب الذين يملكون مجموعات متميزة من الفنون الاستشراقية، ممن تربطهم في نفس الوقت مصالح اقتصادية بالغرب. وهو أمر يشير في حقيقة الأمر إلى مغالطات تبدأ بما يدّعونه بالتساوي بين العالمين، وإسقاط مفهوم التساوي على المصالح الراسخة لرجالات الأعمال في عواصم الغرب، لندن و نيويورك وباريس وسواها، تدعمه أهم الصحف ودور النشر ودور المزادات المعروفة (كريستيز وسوذبيز) وأعضاء مجالس شركات وبنوك وصناديق دولية وباقي الجهات التي يبرز اهتمامها بالمناطق المضطربة في الشرق إضافة الى مختلف الطبقات التي تدعو الى اعتبار فنون الاستشراق الجسر الحقيقي للحوار بين الشرق والغرب.

المثير في الأمر أن العودة إلى فضاءات المستشرقين، واعتبارها نماذج لإعادة صياغة الحدود المعرفية والعاطفية والأخلاقية لتوثيق العالم المعاصر عبر المتخيل الغربي في الفنون والثقافة، وإيجاد حدود لا تختلف بأي حال من الأحوال عما قدمته فضاءات الوكالات الاستعمارية، التي أبرزت في واجهة اشتغالاتها مجالات الخيال العاطفي لاستقطاب الرأي العام الغربي، وذلك لإعادة صياغة مفاهيم عن اللاعقلانية الشرقية، ليس عبر المصورين التقليديين هذه المرة، وإنما عبر تدفق الصور شديدة الواقعية، التي تبرز الجوهر الأساسي لمعاني البدائية والقبلية والتعصب الطائفي، ومختلف المعايير التي تعبر عن العقلانية، التي تجعل من الغرب الصورة المتفوقة في ثقافتها العنصرية، بإبراز إشكاليات الاختلاف بين ( نحن) و(هم) التي تبرز أن الآخر هو الآخر في حقيقة الأمر. مازال الاهتمام بموضوع الاستشراق قضية تتناولها الدراسات والمعارض الفنية والكتب والمجلات والعروض الإبداعية والمؤتمرات وسواها من مجالات الثقافة، وقد أثارتها بقوة آراء ادوارد سعيد في بحوثه الاستشراقية، وكذلك ماذهب إليه صاموئيل هيتنغتون في صراع الحضارات وصراع الأديان وباقي الاعتبارات التي تجعل من الاستشراق مادة مثالية لقراءة المشاريع الاستعمارية، التي تمتد في أنحاء العالم لفرض منطق القوة، وكل ما يشتمل عليه مفهوم وتطبيقات الغزو الثقافي، الذي يفرض رؤية واحدة على العالم، هي قيم الغازي التي تهدد الذاكرة، وتتفاعل بمصائر المجتمعات الثقافية والأخلاقية والفكرية، وبالتالي يمكن الحكم بأن كل ممارسات الغرب في الشرق بما فيها الفنون إنما كانت تمثل حاجة الغرب للتفرد، من خلال تحريف بعض جوهر الشرق، وميل الغرب لتمييز نفسه بإيجاد الفضاء الجغرافي المسمى (الغرب) على النقيض من الشرق، المصطلح الذي بدأ استخدامه منذ القرن الثامن عشر بعيدا عن ( المشرق) الذي كان مستخدماً منذ الإغريق القدماء. فالاستشراق نسبة إلى الشرق، وهو شبكة الأفكار والمعتقدات التي تم إضفاء الطابع المؤسساتي عليها في الأكاديميات والمعاهد والحكومات، وكل ما دعت إليه الثقافة الشعبية من انقسام حاد بين الشرق والغرب لتشكيل مفهوم الغربية، سعياً إلى تمييز الهوية مع التوسع الاستعماري، لقد اختصر سعيد الاستشراق بأنه: حفنة من الأكاذيب التي أطلقها العلماء في الغرب، واعتباره استثماراً ثقافياً أنتج نوعاً من الفهم الذي تم غرسه في الوعي الغربي، ليضحي الاستشراق هو ممارسة القوة الثقافية .

 

 


طلال معلا