الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



بنور مشفر برواق القرماسي

الصورة كذاكرة حية



أمكنة وأحياء ومشاهد بألق لحظاتها وتحولاتها في السياق الزمني حيث الألوان والتفاصيل والحكايات تتجدد معلنة حيزا من شجنها وحنينها وجمالها المبثوث في الذات.. الذات العاشقة للمعنى والنظر... معنى العناصر اذ تعكس بهاءها ليلمس الكائن شيئا من دفتر الرغبات... الكائن هنا ترجمان حياة أخرى يقطف ما بدا له من حال يشكل وفق شواسعه مجالا من السيرة..هي سيرة الرحلة مع الآخر وتجاهه..

في كل هذا تمثل العوالم تجاهه ليرى منها ما تداعى لديه وجدا وذكرى وشجنا نبيلا فهو الفنان المختلف عن غيره من كائنات هذا التقصد الجمالي..وهنا نعني الفنان حارس الأشياء وتحولاتها فيه يمضي على وله لا يلوي على غير نشدان القيمة بينما يمر الآخرون بلا عين تجاه قيم ومعان أخرى..غير عابئين بالنشيد..

انها لعبة الفن الباذخة في عالم معطوب تتنازعه الأهواء والفراغ نحو تداع مريب و لا عنوان غير السقوط المربك وانهيار الجمال و في باحة كونية من النواح الخافت.

هذا و غيره يأخذنا طوعا و كرها الى ما هو حي فينا و كامن من وعي بقيمة المهمل والمتروك في جانب كبير منه... ومن ذلك أعماق الأشياء والتفاصيل ومنها الأمكنة والمواقع والمشاهد وما يشي بالمرتسم على جدران الذاكرة الدفينة عند الكائن الجميل..

ومن هنا نلج هذه الفسحة الجمالية لأعمال الفنان بنور مشفر وفق معرضه الذي يتواصل برواق علي القرماسي للفنون بالعاصمة حيث تعبّر اللوحات عن ولع الفنان بفن الفوتوغرافيا الذي شهد تحولات و تطورا بيّنا من خلال الرحلة من آلة التصوير العادية الى المؤثرات والمستحدثات التكنولوجية التي طبعت عالم الصورة...

«حومتنا» و«سيدي محرز» و«الحومة» وجربة و...غيرها من العناوين الدالة على شيء من تجربة الفنان الذي عاش على ايقاع فن الصورة لعقود عديدة ديدنه الذهاب الى اقتناص اللحظة بكل حواسه ودواخله تقصدا للعلاقة الثقافية والفنية والحضارية مع الموضوع المقصود فكانت معارضه منذ السبعينات من القرن الماضي سواء منها الفردية أو الجماعية ومنها بالخصوص البيناليات الدولية المعنية بالصورة وفنياتها وبمشاركات واسعة لفنانين من القارات المختلفة ومن هنا نذكر بالخصوص البينالي الشهير الذي نظمته بلدية تونس بقصر خير الدين في التسعينات من القرن الماضي...

في تجربة هذا المعرض تبرز اشتغالات الفنان بنور على ما أتاحته التقنيات الحديثة والوسائط في مجال الفوتوغرافيا ليأخذنا الى صور هي بمثابة العمل التشكيلي على محامل متعددة لنجد لوحات لموضوع واحد و لكن في أشكال متعددة تبرز خاصة كيف أفاد الفنان من التقنيات لتبدو الأعمال أقرب الى الرسومات الزيتية أو المنسوجات و غيرها..

المعرض يكشف جوانب من خبرات الفنان الذي لم يقنع بآلة التصوير بل انه تفاعل مع المتاح التكنولوجي ليوسع من مجالات تعاطيه الفوتوغرافي..كل ذلك في حيز من العبث الجمالي الجميل وفق تلوينات الخيال والعقل...انه التصرف العقلاني المبتكر تجاه كمّ هائل من مادة شاملة للثقافي والقيمي والوجداني زمن الانهيارات والتسطيح والفراغات... هي لعبة الحوار مع الممكن الفني تجاه المكان من مدينة وفضاءات والأحياء والأمكنة بما يعتمل فيها من لمعان..

ومثل بقية الفنون من المسرح الى الموسيقى والسينما وغيرها يشير الفنان بنور مشفر الى أن الصورة فن وابداع وامتاع و مؤانسة ولا ضير في الافادة من الوافد والمستحدث التقني الذي يعطي الأبعاد الأخرى للعمل الفني ولكن مع الحفاظ على جوهر وحميمية وعمق الموضوع والتيمة ولأجل أن يكون للفن جسر بل دروب مع المتغيرات في الزمان والمكان والاحداثات التقنية ..

الفنان هنا مأخوذ بالذاكرة الحية بما هي ثقافة ووعي دفين وكذلك بالأخذ بالجديد والمتجدد حتى لا تكون الصورة والفن عموما أشبه بالمتحف المهجور.. انها حرقة الفنان المبتكرة زمن التحولات المتسارعة وسلطتها على الوسائل والوسائط والذات الانسانية التي كثيرا ما تسعى الى هضم كل ذلك وآثاره ويبرز ذلك جليا وبينا مع الفن خاصة..

الفنان يبتكر وسائله وأشكاله كالانسان البدائي القديم يدفعه نزوعه ورغبته في التعبير الى ابتكار طرقه وأساليبه وأشكاله في سبيل ذلك... أنها الرحلة تلك منذ القدم والى الآن ونحو القادم.. الفن هو هذا الذهاب الشاسع والمفتوح على الممكن الجمالي...

معرض وتجربة وارتسامات من دواخل الفنان باتجاه الآخر قولا برسالة الفن المفعمة بالوجد والمجد والسمو والذاكرة الحية والابداع الحي المتجدد والمتدفق تدفق مياه النهر وموسيقاه.. نعم للنهر موسيقى يدركها الفنان الأمهر فيرقص ابداعا على ايقاعها الباذخ...

 

 

 


شمس الدين العوني