الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع





الجسد، برؤية بانورامية معاصرة



يقول أحد الأئمة العرب عن الجسد: «أتحسب انك جرم صغير وفيك أنطوى العالم الأكبر» برؤى بانورامية متتابعة نحاول أن نلتقط ما تبقى من اثار وقع الخطى الغريبة المتسارعة والمتثاقلة امامنا من فرط ما تحمله من ثقل تصعيدي وتفريغي وتداع حرّ للرغبات وما يعتمل داخل الذوات المبدعة، من تصورات وانفعالات وتعبيرات صارخة وساخرة ومشاهد تعنينا وتمثلنا فنقف إزاءها صاغرين لا ننبس بكلمة لانها تنطلق من حقيقة واقعنا وطبيعة اجسادنا المتحركة، وهل يوجد أصدق من لغة الجسد حينما يتحرك ويتحرر ويتخمر؟

انطلقت الدورة الأولى لمهرجان «بانوراما الجسد» يوم الاثنين 29 جانفي وتواصلت الى يوم 04 فيفري 2017 بمدينة صفاقس لتحتضن جل فضاءاتها الثقافية من دار الثقافة بباب بحر الى مركب محمد الجموسي هذا الحدث الفني الرائد لصاحبه الفنان التشكيلي الشاب طارق بوزيد تحت اشراف وزارة الشؤون الثقافية، حيث افتتح المهرجان ابوابه بمركز الفنون الدرامية والركحية بقرمدة، وكانت البداية مع معرض للنحت المعدني بعنوان «حياة ثانية» للفنان التشكيلي مراد الزارعي. منحوتات يستأصل عبرها الفنان أسقام المادة ويستعيدها من جديد فيفرغ فيها اوجاع البشرية ويختبر صبرها على المقاومة والتحدي، فيغرقها بقضايا الجسد/المادة، الجسد/الرغبة، الحرب والسلم... فالى أي مدى قادر أيها الجسد على التحمل والمقاومة؟

يليه عرض مسرحي ادائي بعنوان «حالة طارئة» للفنان الكوريغرافي «طارق بوزيد» يستعرض رحلة الوجود المختزل للجسد منذ وقوع الخطيئة الاولى التي استدرجت فيها حواء حواس آدم ليأكل من التفاحة ويتخلص تدريجيا من رداء الفضيلة، فتنتفض على وقعها الحواس وتتصارع كوريغرافيا أجساد الممثلين الراقصة على خشبة المسرح وتتلخبط الانفاس من شدة الاثارة التي تسلطها حواء حينما تستعرض جسدها المسكون بغرائز البشرية الاولى، أو حينما تنتفض كالجريحة بين احضان شريكها فتتصارع الأهواء وتتلاشى كل الحواجز ما ان تخلع عنها ثوبها الاحمر المثير، ثوب العفة ام ثوب الرغبة ؟ لحظتها يتخلص هذا المركب الفيزيقي من ردائه الاجتماعي ليصبح أعنف واقوى، يمثل العالم ويتمثل ذاته بذاته، يرسم وينحت معالم كينونته بنفسه بشغف أكبر وبأكثر حرية في التعبير والتجسيد والاختراق.

تعبيرات جسدية واختلاجات نفسية تتصارع بين الشعور وعدمه، نتلمسها حاضرة وغائبة في معرض فني مشترك بمركب الجموسي بارتسامات خطية وتصويرية وفوتوغرافية لعديد المبدعين والمبدعات التونسيات مثل هالة الهذيلي وسعيدة عروس وفاطمة الحاجي وسميرة الوريمي... تجتمع كلها في كومة من التصورات البانورامية التي نسافر عبرها داخل حنايا الجسد فنحاول الغوص في تفاصيله الملغزة التي كلما اردنا فهمها الا وتزيد تعقيدا وغموضا وإثارة تثيرنا وتستفزنا حينما ينفلت الجسد من اسواره الضيقة ويتحرر من ردائه الاجتماعي والثقافي محاولا ان يرسم فضاءات تخييلية جديدة من المتعة الجماعية والإثارة الفنية، او حينما يتعانق بصريا مع لعبة الاضواء والظلال والأصوات المنبعثة من خلف الركام المتسلل على شاكلة نظرات وهمسات تستدرجك بعمق وتروي لكي تكسر شفرات الزمن وتجرب لغة التشكيل بالجسد والتعبير بلغته الصامتة التي تغنيك عن الف تعليق والتي لامسناها في عديد المقاطع الادائية والبرفورمونسية لثلة من الفنانين أمثال «اشرف بن الحاج مبارك» و«عماد جماعة» و«أميمة المناعي» و«وفاء الثابتي» وغيرها من الاسماء الشابة والواعدة في مجال التمثيل والأداء المسرحي...

لغة تتشكل فيها المفردات من الشغف والعشق الفني و» تلعب فيها الكلمات دورا مساعدا على خشبة المسرح، لأننا نسمع بعيوننا، أكثر مما نسمع بآذاننا». على حد قول (يفرينوف) فتتشابك الحواس وتنفعل، تصطدم وتثور وتتلاشى في فورة من الانفعال الذي يحدثه جسد الفنان حينما يدّوي بصفيرته الصامتة ويعبث بمخيلتك ويستولي على حواسك، فيدعوك الى اختراق الفضاء التعبيري وتجريب المسرحة وفنونها، بما تختزنه من قدرة على الاثارة والترميز وإشارات وتلميحات وأفعال حركية فطرية ومكتسبة تغذي المشهد وتثري الرؤية المعاصرة للخطاب المسرحي والفني، بماهي رؤية بانورامية منفتحة على تعدد القراءات والتأويلات التي تفرع الجسد المحاكاتي من بعده السردي الممل وتزج به داخل نسق من العلامات البصرية، باعتباره يمثل العلامة الأكبر ضمن علامات العرض المتعددة حسب «رولان بارت» .وهو ما لحظناه في هذه الدورة الاولى من مهرجان (بانوراما الجسد) الذي تعددت فيها اشكال استعراض الجسد رسما ونحتا ومسرحا...

الجسد بين جمالية الحركة وعمق الاداء

رغم تعدد أشكال حضور الجسد فنيا وأدائيا لم يستنفذ هذا الصنم الحي مخزونه الابدي وواصل اثبات هيمنته وشموله وتنوعه الثقافي بما يحويه من طاقات مخزونة في حاجة إلى أن تنثر كثير من الحبر والدم لتكتب تاريخ الجسد المأساوي وتدوّن صراعاته المتتالية مع الدين والتابو والسلطة والمجتمع «فهو ذلك الجسد الذي يمتلك لغته الخاصة، كما أن له تاريخا تمتد مراحله على طول امتداد التاريخ البشري». والمطلع على مجريات ذلك التاريخ، يجد ان الجسد قد مرّ بمراحل عديدة من التغير والتحّول، صراعات واحباطات، انكسارات ونجاحات، كبت وبوح، خضوع وتحرر... حالات يأس وقوة وانبجاسات وعي غريبة تقود الجسد الى بؤرة من الحس والإدراك والاستهلاك البصري والحسي، حتى أضحى جزءا لا يتجزأ من تاريخ وتطور الإنسان الفكري والسياسي والاجتماعي وحتى اليومي . «ذلك الجسد الذي يمتلك حضورا كليا في السلوكيات والأفعال ويتنوع بتنوع الحضارات». فيحاول ان يواكب طبيعة العصر المتغيرة ويوائم بين طبيعته الخاصة وطبيعة المجتمع الذي ينتمي اليه فينطلق من الذات إلى الآخر، عبر حركة بانورامية، تفصيلية تسلط الضوء على متغيرات حياتنا وطبيعة أجسادنا المتحركة حيث تشكل الحركة نقطة الانطلاق الديناميكية المولدة لعناصر الاثارة والتوليف الادائي والمشهدي والتشكيل المادي والبصري، مما يمنح الجسد الاولوية في البث الدلالي وممكنات الصياغة الجمالية المعاصرة والتحول الدلالي لماهية الاشياء من حوله، فضلا عمّا يبثه الجسد الراقص للمشاركين من رسائل ومقاصد معبرة تخاطب مكنونات الجسد الباطنية وتعبر عن ارتجالات سيكولوجية وتراجيدية شخصية للفنان العربي كما المتلقي وفي هذا الصدد يؤكد الناقد(فرانكلين ستيفنز) «ان الانسان يستخدم الحركة للتعبير عن نفسه، عن جوعه عن الامه، عن غضبه، عن افراحه، عن اضطراباته وعن مخاوفه، حتى وان كان دون استخدام للكلمة». ولعلها نفس تلك الطقوس التي كان يؤديها انسان الكهوف الاول الذي كان يرقص لغايات طوطمية وروحية وسحرية.

تغيّرت تلك الظروف مع الزمن وتطورت لكن الرقص أضحى ولا يزال لغة الجسد القديم والمعاصر الذي تتداعى له مجمل اعضاء الجسم وتتكتل وتطفو معلنة تحرره وقدرته على إحتواء واختزال العالم الكبير في مجرد رؤى بانورامية حالمة تسافر بنا في عوالم الجسد الممتد واللامحدودة تأملاته وتصوراته، وما أعظمها من عوالم حينما تخترق الفكر والتأمل لتلامس وتعبث بالمادة وتشكلها وفق حتمية المزاوجة بين الجسد والتفكير وما يعيشه الانسان... من حوار داخلي مستمّر وصراع أبدي بين الرغبة والإقصاء.

«أنتم ايها الحكماء، أنتم من يفهم ويعرف.

كيف ومتى وأين يتحّد الكل؟ أخبروني عن حقيقة الأمر!»

أو دعونا نرقص إحتفاء بالجسد... علّنا نكتشف بأنفسنا الحقيقة.

مراد الزارعي

باحث وناقد فني من تونس