الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



نزاهة الفن

الجريمة تقع حين يسطو فنان على جهود فنان آخر ويدّعيها لنفسه


ما لم يكن الفنان نزيها، فإن كل ما ينجزه لا يمكن أن يكون مصدر ثقة، ينظر البعض إلى فنه كما لو أنه حدث منفصل عنه، نوع مختلق من العلاقة من أجل إقناع الآخرين بأن ما يُرى، وهو العمل الفني، لا يشف عما لا يُرى، وهو ما يتعلق بطريقة الفنان في النظر إلى عمله الفني. غير أن القاعدة التي يهرب منها الكثيرون تنصّ على أن الفنان يحتاج إلى إقناع نفسه بأصالة عمله قبل أن يقنع الآخرين.

اللصوصية ليست هي العبارة المناسبة لوصف الوضع الذي انتهى إليه عدد من الفنانين العرب، صحيح أن الفن ينطوي على شيء من الخديعة التي تمزج الحقيقي بالوهمي، كما لو أنهما الشيء نفسه، غير أنها الخديعة التي تقدّم حلولا نبيلة لمشكلات الإنسان.

وهو ما يعني أن الفنان حين يقدم على الممارسة الفنية، فإنه يكون مسلحا برغبة عميقة في قول شيء لم يقله الآخرون من قبل، وهو تعبير مجازي لا يتعلّق بالمضمون، بل يتعلّق بالأسلوب، فليس المطلوب أن نخترع مضامين جديدة، بل المطلوب أن نبثّ الروح في المضامين الإنسانية الخالدة بما يتناسب ولغة عصرنا.

من هذه النقطة بالضبط تنبعث شروط الأصالة بما يتنافى مع قيام الفنان بتقليد الآخرين، الفنان المقلّد لا يزوّر، غير أنه لن يكون نزيها إذا ما طُلب منه أن يعترف بحقيقة ما قام به.

ليس صعبا الاهتداء إلى مواقع التقليد، غير أن من العسير أن يعترف الفنان بفعلته، ولكن التقليد شيء والسرقة شيء آخر، فحين نقول أن فنانا قلّد فنانا آخر لا نقصد الإشارة إلى وقوع جريمة.

الجريمة تقع حين يسطو فنان على جهود فنان آخر ويدّعيها لنفسه، يظل المقلّد إنسانا نزيها بعكس اللص الذي يسعى إلى مقاومة الحقيقة عن طريق الكذب، كلما كثر اللصوص ضاعت الحقيقة، ولكنها لعبة لن تقوى على إلحاق الهزيمة بالفن الحقيقي، لا تزال النزاهة ممكنة.

لغز الحب

يعلّم الفن الحب، ولأن الحب ليس متاحا وميسرا كما يظن الكثيرون، فإن تعب الوصول إليه عن طريق الفن يستحق أن يفني المرء عمره من أجله.

الموسيقى كما الرسم كما الشعر، نوافذ نطل من خلالها على عالم جميل، نحلم به ونتوق إلى العيش فيه وتسلق سلالمه لنصل إلى مملكة الحب.

ما من سعادة إلاّ بعد كدح، الفنانون يكدحون من أجل أن تكون سعادتنا ممكنة، وعلينا أن نكدح من أجل أن تظل شجرة كدحهم نضرة.

هناك حقول مفتوحة أمامنا لا تفتح أبوابها لنا إذا لم نبذل جهدا كبيرا في تطوير حواسنا والوصول بها إلى مستواها الحقيقي، حقول ينتظرنا فيها باخ والمتنبي وفنسنت وأم كلثوم ورامبو وإديت بياف وكلود مونيه ومنير بشير وفريدا كاهيلو وأحمد الشرقاوي وطه حسين وعلي بن سالم وشكسبير وسواهم من المبشرين بالحب.

حقول خيالية كثيرة تقع فوق الواقع، هي التي تصنع صورة حياتنا باعتبارها موقعا لجنة محتملة، تعدنا تلك الحقول بالحب الذي يهبنا تأشيرة دخول إلى عالم علوي تحلق فيه الأرواح الهائمة.

ما من شيء في الفن أقوى من الحب، الحب هو رسالة الفن ومحتواه، لذلك فإن من يبغض الفن لا بد أن يكون قد أضمر شرا للبشرية.

الحب في الفن هو الجمال والحق والخير، فالشغف بالفن يكمن في رغبة المرء في أن يرى العالم جميلا يرفل بقيم الخير الذي لا يستثني أحدا من عدالته، وهنا يتحقق معنى الحق.

هناك بشر تلهمهم الطبيعة موهبة التعلق بالفن باعتباره خلاصا من غير سبب واضح، أولائك البشر هم الفنانون الذين يضحون بحياتهم من أجل إسعادنا، يتقدمون الصفوف في حرب طاحنة ضد القبح وفقر الخيال والشر والباطل وعدم الإنصاف.

ما من فنان حقيقي إلاّ وتنطوي روحه على شعلة حب لا تستثني أحدا من نورها، الفن كريم لذلك يتميز الفنانون الحقيقيون بالكرم، إنهم يهبوننا أعز ما يمكن أن يهبه الكائن البشري لأخيه، يهبوننا الحب وهو لغز الفن.

 


فاروق يوسف