الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع


نوافذ
الفنانة الاسكتلندية كارلا بلاك

تبتكر أعمالا ضخمة لكنها هشة



أبو بكر العيادي

بعد فينيسيا ولندن ونيويورك ولوس أنجلس، تحل كلارا بلاك ضيفة على مهرجان الخريف السنوي بباريس، حيث يقام لها معرض في «قصر الفنون الجميلة» لتؤثث قاعة «ميلبومين» الشهيرة، التي سبق أن احتضنت أعمال فنانين كبار أمثال مونيه وإنغر ودولاكروا، إلى جانب معرض مواز بـ «متحف الأرشيف الوطني»، كان ملبيا للبعد الزخرفي في صالونات فندق «سوبيز»، في تناظر لتشكيلة من الأعمال الجبسية المقولبة.

ولدت الفنانة الاسكتلندية كارلا بلاك عام 1972 بمدينة ألكسندريا التي تقع في منطقة وست دنبارتنشاير، وتقيم اقتصادها على معامل القطن والنسيج والطباعة، ثم انتقلت إلى مدينة غلاسكو، حيث تقيم الآن، لتلتحق بمعهد الفنون الجميلة، الذي تخرجت منه عام 1999 بدبلوم في فن النحت.

وعرف عن بلاك منذ انطلاقتها الفنية استعمالها المواد التقليدية كالجبس والدهن والورق والطبشور، إلى جانب مواد التجميل وبعض مواد المرافق الصحية كورق التواليت، ما جعل أعمالها، على ضخامتها، هشة، لا تكاد تستقر على حالها عند النقل.

وتأثرت الفنانة الاسكتلندية في بداياتها بروبرت سميثسون رائد الـ «لاند آرت»، وريتشارد تاتل أحد رواد ما بعد الفن الأدنى مع ليندا بنغليس، مثلما تأثرت بهيلين فرنكنثالر من حركة التعبيرية التجريدية، وكارين كيليمنيك التي تجمع في منحوتاتها وأدائها بين الشعر والمسرح والرومانسية، وكلهم أمريكان أحدثوا ثورة في الفن التشكيلي المعاصر في الستينات والسبعينات.

بعد ذلك، مضت بلاك تحفر مجراها بابتكار أسلوب فني جديد يقوم على الأشياء المعلقة، المنشورة تقريبا كما تنشر الملابس على حبل الغسيل، فهي تستعمل مواد الحياة اليومية من ورق التواليت والقطن والصابون إلى السلّوفان ومواد التجميل كبودرة الوجه وأحمر الشفاه وطلاء الأظفار، بالإضافة إلى المواد التي تدخل في حقل الفن كالجبس والأصباغ الملونة.

ولئن كان عملها يحيل على الفن التشكيلي والنحت، فإن منجزاتها تتحدى حدود الإطار وقانون الجاذبية، لأن بلاك تتحرّر من منطق الجدار، الذي ثارت عليه الحداثة منذ بداياتها إلى جانب عدة تجارب تشكيلية أخرى في سبعينات القرن الماضي، ولا سيما تجارب التعبيرية التجريدية التي تحيل على «الرسم في الحقل الملون» وهو تيار ظهر في الولايات المتحدة وكندا في أربعينات القرن الماضي وخمسيناته كرد فعل على الرسم العملي الذي يعتمد على رش القماشة أو الجدار بعصا تغمس في الدهن، مثلما تستعير من «الفن الفقير»بعض عناصره.

ويتمثل عملها في الاشتغال الدقيق على الضوء واللون والانسياب وتلاشي الأشكال، بعضها يعتمد على الحركة، ويقف على حافة الأداء، كدعوة جادة إلى الزائر كي ينغمس فيها ماديا وبصريا دون اللجوء إلى سردية أو تمثل أو استعارة، وغالبا ما تنجز على عين المكان، فتأتي مراعية لشكل الفضاء الذي تنشأ فيه، ولما كانت تلك الأشكال، المعلقة في الفضاء، أو الموضوعة برفق على الأرض، بالغة الهشاشة، فهي تمنح الناظر إحساسا بلا ماديتها.

أما الألوان الشاحبة، التي تتراوح بين الأخضر الفستقي والوردي الفاتح، فهي تتموج مع الضوء وتقارب الذبذبة التصويرية، لتشكل في مجملها ما يشبه المناظر الطبيعية، حيث البيئة أرض يسيطر عليها البستال وتنويعات لا حصر لها من الأبيض الجيري.

لون جديد من الفن مادته أشياء المعيش اليومي

ولئن كان النحاتون الآخرون يشذبون الغرانيت والمرمر والبلق، فإن كارلا بلاك اختارت منذ البداية كل ما هو منذور للزوال، لا يصمد أمام أدنى هبة ريح، ورغم ذلك استطاعت أن تشدّ الأنظار وتلفت الاهتمام وتدعى إلى متاحف عالمية كبرى كي تعرض أعمالها التي تخضّ جسد الزائر وفكره، لأنه يبقى مندهشا أمام لوحات فنية بديعة، دون أن يتساءل عن بقائها أو زوالها، حسبه تلك اللحظة التي يعاين فيها تجربة فريدة تحمله إلى عالم الحلم والحكايات الوردية.

وفي ذلك تقول الفنانة الاسكتلندية كارلا بلاك «إن المنحوتة تجذرك في واقع مادي، إنها أشبه بالامتصاص الذي يسحبك ويدمجك في العالم، يعتريني الإحساس نفسه حين أتأمل منظرا طبيعيا»، ولعل خير ما يمثل فرادة تجربة كارلا بلاك ذلك الشلال الأخاذ، الذي نابت عن الماء الراجف فيه موجة خفيفة مكونة من عشرات اللفائف المنحدرة من سقف يبلغ ارتفاعه خمسة عشر مترا، لتتكسّر على بلاطة مفروشة بمسحوق الجبس وغبرة الطباشير.

قد تبدو هذه التجربة بسيطة، في متناول أي كان، ولكن فضل صاحبتها، كما يرى بعض النقاد، أنها وسعت المفهوم الكلاسيكي للنحت، لتقترح بديلا عن الفن الأدنى، وتنخرط في تاريخ المناهضين للشكل، على منوال الأعمال الوبرية للأمريكي روبيرت موريس، وأعمال اللاتيكس للألمانية إيفا هيسه.

وتقول كارلا بلاك «أريد أن أنجز أعمالا تكون طبيعية، وفي تصوّري أن سلم الأعمال هو عنصر له أهميته، إذ ينبغي أن تكون التجربة المادية مربكة مذهلة، كما هو الشأن مع منظر طبيعي غير آهل».