الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع


جدارية
أيام قرطاج الدولية للفنون التشكيلية

الشعبوية التي تهدد البناء


عمر الغدامسي

تم منذ سنة تقريبا الاعلان عن بعث أيام قرطاج الدولية للفنون التشكيلية، وحدد لها موعد ورصدت وزارة الشؤون الثقافية ميزانية لها. ثم تم الإعلان عن تأجيلها، ثم كانت استقالة مدير التظاهرة الفنان نجا المهداوي سببا في توقف التحضيرات. عموما يمكن تفهم كل ما حدث ورده لأسباب موضوعية، ففكرة بعث هذه الأيام كانت بمبادرة فنانين ناشطين (كل على حدة) وكذلك اتحاد الفنانين التشكيليين وعندما طرحت على السيد محمد زين العابدين وزير الشؤون الثقافية كفكرة رحب بها ودعا الهياكل والفنانين الي تقديم تصور متكامل حول التظاهرة، وعقد من أجل ذلك عدة جلسات، أشرف عليها شخصيا.. الوزارة لم تستحوذ على الفكرة لتنفذها بشكل فوقي كشأن خاص وبمثل تلك الجمل الخشبية من نوع «تلبية ونزولا عند رغبة أهل القطاع». بهذا المعنى فإن الوزارة لم تصد الباب أمام الفكرة، بل شجعتها وأطرت كل الحوارات التي تخص مضامينها.

الآن وضمن حالة الانتظار والفراغ التي نشأت بعد إستقالة نجا المهداوي، أصبحت لدينا جملة من الشكوك التي تخص هذه التظاهرة ، حيث انه تظافرت عدة أسباب قد تهدد صورتها (ولا نقول نجاحها أو فشلها)، فهي لازالت مشروع فكرة أصبحت محل أخذ ورد وأحكام وتصريحات وتسريبات وتوجيهات على درجة عالية من الشعبوية، حتى وإن وجدت جميعها مبررات وجودها في سلم الحقوق التي تكفلها حرية التعبير وحق المشاركة. فتلك التدخلات والناشطة افتراضيا. لم تناقش الفكرة ولم تقدم أطروحات تبني رؤية ما للتظاهرة، بقدر ما إرتكزت على من هو الفنان الذي سيشارك والآخر الذي سيتم اقصاؤه، وذلك بكمّ من مفردات التهديد والوعيد المعلنة والخفية، وكذلك ارتكزت وخاصة بعد استقالة نجا المهداوي على لمن ستؤول ادارة التظاهرة، وقد رأينا في هذا العجب والعجاب من فنون التوجيه والتعويم والشعبوية والشعوذة باسم الاعلام وحرية التعبير، وكذلك رأينا كم من التعليقات والترشيحات والترشحات التي تريد ان تشخصن التظاهرة وتنزع عنها كل بعد مفهومي ورؤيوي .

إن ما حدث خلق لدى شريحة من الممارسين اوالفنانين حالة من الوعي المغلوط تشعرهم انهم جزء فاعل ومقرر في كل ما يخص هذه التظاهرة بدءا من اسم مديرها ووصولا الى قائمة الفنانين الذين سيشاركون فيها. هكذا تم صب الزيت إستباقيا وحتى قبل إشعال النار وذلك بأسلوب عرف كيف يستفيد من ذهنية تلك الشريحة من الفنانين والممارسين لتوجيههم وحشرهم ضمن أسئلة وانتباهات تؤدي في الأخير الى حلول ابتزازية والى تهيئة المناخ لمعارك جانبية وهو ما قد يمس من صورة التظاهرة والتي لا يمكنها وفي كل الاحوال تشريك الجميع وذلك بغض النظر عن المستوى والتجربة مما سيجعلها في كل الأحوال على صفيح ساخن بمشاهد من البكائيات عن الاقصاء والاستهداف والتهميش.

بغض الطرف عن الدوافع الخفية من وراء هذه الاساليب المشبوهة، فإنه وفي إعتقادي هناك أيضا سبب موضوعي وهو يمثل المدخل الأساسي لتبين بعض الافكار التي تخص مفهوم هذه التظاهرة واهدافها.

لنبدأ باسم التظاهرة ايام قرطاج الدولية للفنون التشكيلية ، فهذا الاسم يبدو وبشكل واضح أنه امتداد للتظاهرتين السابقتين أي أيام قرطاج السينمائية والأخرى المسرحية، وهذا في اعتقادنا لا يمثل مشكلا، ذلك انه يمكننا تطويع الأسماء لمضامين متنوعة. والسؤال هنا: الى أي حد فكرنا فيما هو بديهي أي بناء أيام تتماشى وخصوصية الفنون التشكيلية مقارنة بخصوصية فنون المسرح والسينما. حيث مجالات الاستهلاك والترويج والتسويق وكذلك المحامل والوسائط تختلف تماما. بالقدر الذي تختلف فيه خصائص و طرق تنقل كل منتوج ينتمي إلى هذا الفن اوذاك؟!

عند بعث ايام قرطاج السينمائية كان عدد الافلام التونسية المنتجة بالكاد يعد على أصابع اليد الواحدة ونفس الشيء تقريبا بالنسبة للمسرح ومع تطور وتيرة الانتاج اصبح بالامكان استيعاب عدد الافلام التونسية أو الاخرى المسرحية بالاستفادة من عدة مقاييس متفق عليها او راسخة داخل كل قطاع ( هواة ، محترفين.. افلام طويلة وافلام قصيرة ...الخ) في المقابل يتم إبعاد مسرحيات أو أفلام ضمن هامش يبقى في عمومه محدودا وضيقا وكان ذلك يثير بعض حالات الاحتجاج البسيطة والهامشية.في الفنون التشكيلية الامر يختلف تماما فعدد الممارسين يتجاوز بكثير عدد الممارسين من غير التقنيين في مجالي المسرح والسينما. والعملية الانتاجية في الفنون التشكيلية فردية وتتجاوز كميا بكثير ما ينتجه كل سينمائي أو مسرحي خلال كل دورة من الايام .كذلك فإن قطاعي السينما والمسرح عرفا جملة من القوانين والتشريعات التي تبوب مفهومي الاحتراف والهواية وهي مرجعيات لم يعرفها قطاع الفنون التشكيلية . كل هذا يفسر وبشكل موضوعي الوجه الآخر الذي تسربت منه تلك الظاهرة والتي وصفناها بالشعبوية والتي لاحقت ولاتزال أيام قرطاج الدولية للفنون التشكيلية وهي في مرحلة تراتيبها الاولى.

فالتفكير في خصوصية أيام قرطاج الدولية للفنون التشكيلية ، من خلال خصوصية ذلك الفن بشكل عام وضمن محيطه المحلي يعد المفتاح الاساسي لبناء تظاهرة راسخة.

هل نريد أياما تنشيطية تفتح المجال لتقريب الفن والفنانين من شرائح واسعة من الجمهور العادي، كما تفتح المجال للإلتقاء والتواصل بين الفنانين من جهات وبلدان وسياقات ثقافية واسلوبية مختلفة؟

أم نريد أياما تجمع بين الوظيفة الثقافية والمردودية المادية في بلد يحتاج فنانوه الى فتح أفق تسويق أعمالهم خارج الحدود وتنمية سوقهم المحلية الراكدة؟

أعتقد أن لكل خيار شروطه وآلياته المخصوصة ، الخيار الاول يبدو أسهل ولعل لنا جميعا تجربة فيه من خلال ما ينتظم سنويا من مهرجانات وملتقيات دولية تحمل نفس الأهداف المذكورة، أما الخيار الثاني فهو الاصعب ذلك أنه سيتطلب مواجهة حقيقية مع الطريق الذي يجب ان نسلكه فيما يخص الوضعية العامة للقطاع.

في مجالات الترويج والتسويق فإن أهم ما يميز الفنون التشكيلية مقارنة بالسينما أو المسرح هو عنصر الندرة اساسا وهي خاصية لازالت تتسبب في تعقيدات قانونية على مستوى نقل الاعمال الفنية. فالمنتج السينمائي يمكنه إستنساخ الكم الذي يريده من الاعمال وإرسالها بضغطة على الزر وفي المسرح يتجاوزطاقم الفرقة حدود الجمارك دون أن يطالبهم احد بتأشيرة خروج نص المسرحية. أذكر هذا كمدخل للشارة الى ما عنيته بـ«الأصعب» التي تواجه الخيار الثاني، أي ايام قرطاج الدولية للفنون التشكيلية والتي يمكن ان تكون ايضا تحت اسم «قرطاج ارت فاير» وهوالاسم الدارج في تظاهرات كبرى تسويقية وترويجية سواء في عواصم قريبة مثل مراكش أو أخرى بعيدة مثل بيروت وأسطمبول أو غيرهما من عواصم العالم.

يمكننا ان نجعل من عنصري الترويج والتسويق لفنوننا الهدف الاولي الذي يمكن أن تقوم عليه هذه التظاهرة بكل ما يستدعي ذلك من اليات ومكونات ويمكننا أيضا أن نجد لهذه التظاهرة المجال الذي يفتح المجال للتعريف بما يجول عندنا من تجارب متنوعة، فنحن قد لا نحتاج الي استنساخ تجارب موجودة في عواصم العالم كما انه لا يمكننا غض ابصارنا عنها. في المقابل فانه لا فائدة ترجى من التصورات التي تؤدي الى التعويم باسم الترضيات.