الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع





علي بن سالم مخترع عوالم لا تزال تغص بالجمال



فاروق يوسف

أن يكون علي بن سالم هو رسام تونس الأول فذلك معناه مجازفة نقدية هي أشبه بالذنب الذي لا يغفره التاريخ. كان هناك رسامون تونسيون قبله. وهم لا يقلّون براعة وإتقانا عنه.

ولكن ذلك الرسام رغم وجود يحيى والزبير التركي وعمار بن فرحات كان كذلك فعلا. فهو لم يرسم بلده ولا أهله بعيني رسام غربي. لم يكن يرغب في الالتحاق بمدرسة تونس التي أسسها الفرنسيون. كان خياله يعمل في منطقة بعيدة وبطريقة مختلفة.

رأى بلاده وحلمها

لم يكن في حاجة إلى أن يصف تونس، فهي تسكنه. لا يستحضرها من خلال الرسم بل يأوي إليها. لم يكن مسافرا عابرا. كانت تونس تلحق به أينما حلّ مواطنا كونيا.

رسم بن سالم كل شيء رآه، بل رسم ما لم يره وقد كان مولعا بالحكايات، لكنه في الحالتين كان يرسم كمن يحلم. رسومه مرايا لأحلام كما قصص وأشعار الأرجنتيني بورخيس.

حياته التي عاشها بأناقة في السويد أجلسته إلى مائدة، كان خياله التونسي يؤثثها بمواد مستعارة من ماضيه الشخصي. لذلك انفتح عالمه الجمالي على حكايات ألف ليلة وليلة والسيرة الهلالية فكانت كائناته تشف عن تاريخ، لم تقع وقائعه إلا على صفحات الكتب، غير أن رسومه تبدو كما لو أنها سيرة شخصية. كان بن سالم يرسم يومياته مستعينا بحكايات شعبه.

ما فعله بن سالم لم يفعله رسام تونسي آخر

كنت محظوظا حين عشت عشرين يوما محاطا برسومه في نزل صدر بعل بالحمامات بتونس. لقد وضعني القدر في قلب تجربته الفنية بدءا من 1938 إلى رسومه الأخيرة في تسعينات القرن الماضي. العشرات من اللوحات كانت بمثابة زاد بصري يومي. من الصعب أن يكون المرء قادرا على أن يكون بحجم ذلك الحلم الشاهق ومتعدد الأبعاد. كان علي بن سالم يقهرني كل صباح. ينتصر عليّ فأتذكر ما فعله بي عمالقة الرسم الحديث مثل ماتيس وبيكاسو. وهما معلماه.

ولد علي بن سالم بتونس عام 1910. عاش سنوات طفولته متنقلا بين العاصمة وبنزرت، حيث كان أبوه يعمل هناك معلما. انضم عام 1927 إلى مدرسة الفنون الجميلة التي كان يديرها أرموند فيرجو. قبلها كان قد درس الفن في معهد كارنو الفرنسي. ساهم في تأسيس متحف الفنون التونسية عام 1932. بعد سنتين نظم معرضه الشخصي الأول في رواق الروتوند بالكوليزي. عام 1936 حصل على الجائزة الأولى في رسم المنمنمات في الشمال الإفريقي. عام 1938 أقام معرضا شخصيا بقاعة الاتحاد اللاتيني كما أقام معرضا في متحف علوم الإنسان بستكهولم والتحق عام 1940 بالتدريس الثانوي بصفاقس ثم أسس مدرسة الفنون الجميلة هناك عام 1944. غادر تونس عام 1945 إلى السويد ليستقر هناك ويتزوج عام 1950 من الفنانة السويدية كريستين نيلسون، وهي متخصصة في النسيج.

وكان لذلك الاختصاص تأثير مباشر على الرسام من جهة انفتاحه على تقنية جديدة. عام 1970 عاد بن سالم إلى تونس ليقيم في الحمامات بين حين وآخر. أقام في حياته الكثير من المعارض في السويد وتونس، كان آخرها المعرض الإستيعادي الذي احتضنته الحمامات عام 2000. كان ذلك المعرض بمثابة تحية وداع للفنان الذي توفي في السويد عام 2001. مائويته كانت مناسبة أخرى لاستعادته عام 2010.

الرسام حالما بكائناته

يبدو فن علي بن سالم للوهلة الأولى عصيا على التصنيف. ربما استهوت تلك الصعوبة الفنان نفسه، فكان مولعا بالظهور من خلال ثنائيات، تبدو الواحدة نقيضة للأخرى، غير أنها في حقيقة وقعها الروحي تكملها.

وفي كل الأحوال كان الفنان ممسكا بخيوط اللعبة بإتقان وخبرة، يكشفان عن معرفة عميقة، كانت الموهبة الفنية واحدة من وسائل تعبيرها. لقد مزج بن سالم بين محليته وعالميته، بطريقة تخطى من خلالها فنانا من نوع مارك شاغال الذي اختص هو الآخر برسم الحكايات ذلك لأن الفنان التونسي كان يثق في الحياة المباشرة، أكثر من ثقته في الكتب، رغم أنه صنف في بداية مسيرته الفنية رسام منمنمات. وهي الصفة التي ظل حريصا عليها حتى آخر يوم في حياته، حيث كانت يده ترتجل المصغرات وتحلق بخيال تفاصيلها.

المبشر بعصر النساء

كانت حدود الحكاية لديه تتقلص كلما اتسعت حدود التعبير. وهو ما جعله قادرا على اختراع عوالم، كانت تتداخل في ما بينها، لتخلق طبقات من النظر هي في الوقت نفسه طبقات، تمتزج من خلالها الأزمنة والأمكنة التي يلذّ للرسام التنقل بينها كما لو أنه يمشي بين دروب متاهة شخصية.

لقد حمل بن سالم محليته إلى العالم، فكان عالميا بها. كان تعبيريا في الوقت الذي كانت مفرداته تحلق في فضائها الرمزي بخفة. لا تقف رسومه عند حدود الحكاية بل تتخطاها إلى فضاء جمالي، يتسع لكل الاحتمالات التعبيرية. وبسبب غزارته وهو الذي عاش الجزء الأكبر من حياته متفرغا للرسم، لم يترك بن سالم فكرة إلا ووصل بقونها إلى حافات خيالها الشكلي. كل الأشكال التي يستعيرها هذا الرسام من الواقع تتحول بين يديه إلى كيانات متخيلة، يشف ظهورها لا عما حلمت به فحسب، بل وأيضا عما ستحلم به.

رسام حكايات، ولكنها حكايات تصلح للنظر. ثرثرة بصرية، تسعد العين بزخارف بلاغتها التي لا تقول معنى بعينه. ما من معنى يمكنه أن يعيدنا إلى ما نعرفه. بالنسبة إلى بن سالم فإن الحكاية ليست سوى ذريعة أسلوبية للعبور إلى الجمال. ذلك الهدف الذي وضع الفنان كل جهوده في خدمته.

يبدو بن سالم في كل ما فعله خادما للجمال. إنه يرينا ما لم نره من جوهر الحكاية. ذلك الجوهر الذي يتعلق بالعلاقات الإنسانية، ما ظهر منها وما خفي. ينقب بن سالم في أرض الحكايات بحثا عن عشبة الخلود التي تتسلقها الأرواح الطاهرة وهو ما لا تخطئه العين الخبيرة وهي تستغرق في متعتها. للجمال مروياته المجاورة. وهي مرويات تمزج ما يُرى بما لا يُرى وتحيل الواقعي إلى أصوله المتخيلة وتعرج على النوم في طريقها إلى اليقظة. ذلك الانتقال اليسير والخفيف بين عالمين، يبدوان على قدر شديد من التناقض هو ما أوحى للبعض بالنظر إلى فن بن سالم باعتباره محاولة سريالية لتفسير العالم.

في حقيقته، فإن الرسام الذي قرر منذ البدء أن يخلص لتونسيته كان قد اخترق قشرة الواقع من خلال الحكايات الشفاهية التي أبقت الكتابة البعض من هياكلها، أما جوهرها الجمالي فقد ظل منتشرا في فضاء خيالها. لقد ذهب بن سالم مباشرة إلى الروح ليلتقط صورا لتجلياتها وهي تصف العالم. لقد رسم قبائل من النساء، هي في واقعها صورة للمرأة التي رأى من خلالها مستقبل الحياة. وهنا بالضبط تكمن رسالته. علي بن سالم رسام بشّر بعصر النساء في وقت مبكر.