الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



رؤى

النقد الفنّي عاشق


فريد الزاهي

هل يحق للناقد أن يتحدث عن النقد؟ يغدو التحليل والرؤية المغايرة، من داخل الممارسة، ذوي طابع إشكالي. لنستشهد بقول جاك دريدا: «المترجم أحق أهليةً بالحديث عن الترجمة»، ولنقلْ: إن ممارس الكتابة عن التشكيل مؤهل «وجوديًا» للحديث عن ممارسته. فلا تجربة نظرية نقدية من غير الانطلاق من التجارب الملموسة، إذ كلّ تنظير يغدو خلوًّا من الروح حين ينطلق من استيهاماته النظرية.

كان إيمانويل كانط ينظّر للجماليات وهو على جهل كبير بالأعمال الفنية. وكان نموذجه الأسمى، الجميل الطبيعي. لذلك، ورغم النباهة وبعد النظر الذي تميزت به الجمالية الكانطية، فإننا نحسّها طنانةً بفراغها حين يتعلّق الأمر بالفنون الجميلة.

حين يمسح المرء بذاكرته ونظره التجربة النقدية التشكيلية العربية يكتشف أن أغلب روّادها إما فنانون تشكيليون أو كتّاب وشعراء وروائيون أو فلاسفة. وهو أمر يبدو للوهلة الأولى طبيعيًا، لأن أكبر روّاد النقد الفني في فرنسا، مثلًا لا حصرًا، الشاعر شارل بودلير. بيد أن الجامعات الغربية تتضمن مسارات تكوينية خصوصية عن تاريخ الفن تخرّج منها العديد من النقّاد ومؤرخي الفن والقيّمين على المعارض. ولا يشكّل تاريخ الفنّ في المدارس العليا للفنون الجميلة في تلك البلدان سوى تكوينٍ مكمِّلٍ يروم خلق وعي لدى الفنانين المتخرجين منها بالتحولات التي طالت الفنّ وتقنياته وأساليبه وما إلى ذلك.

الغريب في الأمر أن الكتابات التي تركها لنا جبرا إبراهيم جبرا أو عبد الكبير الخطيبي عن الفنّ لا تزال فاعلة، بينما تظلّ مؤلّفات اسم كبير نذر نفسه لذلك، كعفيف البهنسي، رغم أهميتها للطلبة ومرجعيتها المفترضة ومسعاها إلى التأريخ للفنّ العربي، باهتةً ومليئةً بالتعميمات. فهذه الكتابات، إن كانت مؤسّسة في مشروعها التأريخي، بحاجة كبرى إلى النقد وإعادة النظر. غير أن ريادتها تظلّ حافزًا للنقّاد العرب إلى مجاوزتها بما يعمّق مكاسبها التحليلية والنظرية.

يصعب على الناقد في العالم العربي أن يكون ناقدًا عربيًا. لسبب بسيط هو أن حركية التبادل الفنّي بين المناطق العربية ضعيفة، ولا تمكّن من الرؤية العيانية للأعمال، هاتان الرؤية والمعاينة اللتان تشكّلان شرطاً أساسيّاً للكتابة عن الأعمال الفنّية ومن ثمَّ، كتابة تاريخ عيني وملموس للفنون البصرية العربية. والغالب، للأسف، أن النقد العربي يُكتب انطلاقًا من الكاتالوغات والصور الرقمية، وهو أمر يلغي تلك الحساسية الفوّارة، أي السبيل الأقوم للتحليل والتأويل، التي توفّرها المواجهة مع اللوحة.

من ناحية أخرى، فإن غياب متاحف للفنون العربية، بل حتى القطرية منها، أمر يحدّ جدّاً من إمكان إنتاج معرفة عربية محيَّنَة للفنّ العربي في مجمل تحولاته وتطوراته، بل إن البينالات العربية القليلة بل النادرة، كبينالي القاهرة والشارقة ومراكش، وإن كانت قد وفّرت مجالًا للتبادل البصري، إلا أنها لم تعد قادرة على توفير الحركية اللازمة التي تسمح ببلورة رؤية تاريخية ونقدية وتحليلية.

لعلّ هذا ما يفسّر أن النقد العربي التشكيلي والبصري، في أغلب مكتوبه، نقد للمعارض وفي أحسن الأحوال للتجارب، بل هذا ما يفسّر أيضاً طبيعة هذا النقد باعتباره «عمل متابعة» يجد في الصحافة العربية سبيلًا للنشر وفي الكاتالوغات الفردية والجماعية، مجالاً لتجلّيه الأكبر، بل إن هذا الطابع الصحفي الطاغي يحوّل الناقد إلى صحفي، والصحفي إلى ناقد بشكل تغيب بينهما الحدود، وبصورة لا نميّز فيها بين الطابع الصحفي والطابع النقدي. وحتّى الكتب الجميلة (أو النفيسة) التي تنشر هنا هناك، فهي من الندرة بحيث لا تؤسّس لنظرة شمولية للفنّان، وتكون في الغالب من إنتاج الفنان نفسه أو أصدقائه أو بلغات أجنبية. والحال أن هذه المؤلفات المرجعية حين تكون صادرة عن دور نشر متخصّصة تعتمد التمحيص والجودة، تغدو بذلك مرجعيةً وموثوقًا بها، خاصّة حين يتعلّق الأمر بفنان راحل وتتعرض أعماله للتزييف، كما هو حال بعضهم، نظراً إلى تصاعد أثمانها في سوق الفن.

هذه الشروط المحيقة بالعمل النقدي، تحدّ أيضًا من فاعليته وصدقيته، كما من مرجعيته وراهنيته. وهو ما يجعل العمل النقدي العربي عملًا قطريًا إلا في ما يتعلّق بالفن الإسلامي باعتباره إرثًا مشتركًا، تتوفّر فيه مرجعيات مهمّة استشراقية ومحلية كما يجعل منه عملا مشتَّتاً وشذرياً في طابعه، وانتقائياً وصدفوياً في شروطه، وانطباعياً في مقارباته. في أحد الملتقيات العربية عن النقد العربي، عاب عليّ أحدهم أن أختم دراستي بلزوم الحب للكتابة عن الفنّ. الحبّ ضروري لأنه ينمّ عن علاقة شغف بالموضوع، تجعله يصير جزءاً لا فقط من الكتابة النقدية بل من الفنّ. كلّ حبّ للعمل يكون مصدر إلهام للتعالق والتوافق والتحليل والتأويل. لا كتابة من دون حبّ. ولذلك قال رولان بارت عن نفسه إنه يكتب النقد كما يكتب الروائي روايته، بل إنه عنون أحد كتبه بـ «شذرات من خطاب عاشق». وحين ينتفي الحبّ من الكتابة تصبح اللغة متخشبةً، والخطاب متكلّساً، والرؤية عماءً.

إن وهم الموضوعية كما الانطباعية جعلا من الكتابة إما مستعمية بترسانتها النظرية، خادمةً لها أكثر مما هي خادمة للتحليل والتأويل، وإما مجرّد خواطر تكتفي بالنظر إلى نفسها في مرآة لا مجال فيها لحضور العمل الفني. النقد الفنّي كتابةً قبل أن يكون نقدًا. ومن هنا رفضي الكتابة عن أعمال لا تلهم مخيلتي. فالنقد الفنّي عاشق. بيد أن هذا العشق ليس تولّهاً ولا صبابةً بقدر ما هو استحضار للعمل الفنّي باعتباره كيانًا قابلاً للتحليل والتأويل، ثمّ للاكتمال في مخيّلة الناقد. فالكاتب الناقد مسلّح بالكتابة وهو يمارس النقد، والناقد الكاتب يحوّل النقد إلى عملية كتابة.