الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



جدارية

..وتلك هي البضاعة التي تليق بكم


عمر الغدامسي

لا يمتلك الفنان الصربي الأصل «فلاديمير فالي كوفيك» تلك النجومية العالمية كتلك التي يحظى بها عديد الفنانين الاحياء، وذلك يعود لأسباب متشابكة وغير إبداعية بالضرورة. غير أن هذا الرسام المهم والمولود سنة 1935 امتهن تدريس الفنون سواء ببلغراد أو بمدينة «زغرب» الكرواتية وكذلك في باريس التي هاجر إليها سنة 1966 ويصبح منذ سنة 1983 أحد أعمدة أساتذة الفنون بالمدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة بباريس .

تنتمي أعمال فلاديمير فالي كوفيك إلى تلك القدرات التصويرية المذهلة في رسم الشخوص ضمن حركات خاطفة ومركزة توحي بالحركة والانطلاق ، حتى أن أعماله تجعلك تنصت لصوت الريح واللهاث وهي تلف حركات شخوصه وهم يقفزون ويجرون ويتعثرون . واذا كان لابد من وصف مضامين اعماله ، فإنها أشبه بالاحالة الى الالم الانساني المضطهد والمشبوه والمهدد والذي عليه أن يجري ويقفز من قوي واقدار بشرية، لا يظهرها الرسام الا قليلا في لوحاته ، باستدعاء مرجعيات بصرية، بتقنية الكولاج، وتحيل الى انظمة الرقابة والاضطهاد والمنع .

هذا الفنان الذي «نهل» من اعماله عديد الفنانين العرب، قام بعض الفنانين مؤخرا وعلى صفحات التواصل الاجتماعي بتقاسم صفحته الرسمية وذلك من باب التعريف والتقدير لتجربته . هذا الحدث جعلني أتذكر شيئا مهما قد لا يعرفه إلا البعض من الفنانين المهتمين والمتابعين وهو أن ذلك الفنان الصربي والذي يتكلم الفرنسية بلكنة مميزة، سبق له أن عرض عددا من أعماله هنا في تونس وتحديدا بالمرسى حيث فضاء ألف ورقة. وكان ذلك في أواسط أو نهاية ثمانينات القرن الماضي، لا أتذكر.

في تلك السنوات كنا بالكاد نحسن نطق لقبه، لصعوبة نطق الأسماء الأوروبية الشرقية ولم نكن نعرف رصيد هذا الفنان وأصله وفصله. فقط كنا أمام لوحات تثير الإعجاب، ومن يريد التعمق والمتابعة كانت هناك المكتبات وأهمها المكتبة الفرنسية بشارع باريس .

مع الوقت ومزيد الإنغماس عرفنا أن «فلاديمير فالي كوفيك» ، عرض أعماله بتونس بحكم الصداقة التي كانت تجمعه بفنان تونسي وزميله بالمدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة بباريس، ألا وهو «عمر وناس» إبن جزيرة قرقنة .

لوثة الفن وغرامه قد يصلان إلى البشر بهذا الشكل ، أي عن طريق صداقة ما تربط شخصين ما في مكان ما، قررا في يوم ما أن يغامرا وأن يجربا امرا ما .

الى جانب فلاديمير فالي كوفيك، عرفت جدران أروقتنا وفضاءاتنا مرور أسماء كبرى واستثنائية في الفن، وكان ذلك يتم خاصة من خلال وزارة الثقافة . نعم هنا في تونس شاهدنا وبالعين المجردة لوحات لـ «سلفادور دالي» و«فرانسيس بايكون» و«كلود فيالا» و«انطونيوساورا وروبارت» «وشنبيرغ» ومواطنه الامريكي الاخر «روي ليشنستاين» و«دافيد هوكني» و«هرفي دي روزا» و«انطوني كالفي» و«سيزار» وحتى «الكولمبي بوتيرو» وعديد الأسماء العالمية الاخرى التي تمثل علامات فارقة، يمكن أن نضيف اليها عديد الاسماء العربية مثل فريد بلكاهية وشاكر حسن ال سعيد ويوسف عبدلكي وغيرهم كثير .

نذكر هذا لأننا نجد اليوم أنفسنا في ذلك المربع الرديء والذي يفرض عليك الجلوس كالقرفصاء في زاوية معتمة وتبدأ في المقارنة بين ما كنا نعيشه منذ سنوات ليست بالبعيدة أو القصية وبين حال فنوننا اليوم. صحيح أننا على مستوى ما تنظمه الجمعيات من ملتقيات دولية نحاول رغم محدودية الامكانيات الابقاء على النافذة مفتوحة بيننا وبين التجارب الابداعية الهامة والعربية خاصة وذلك لاسباب عديدة ومعروفة ، إلا أن تلك المحاولات بالكاد تلفت الانتباه مقارنة بدرجة الانتباه التي اصبحنا نوليها لما هوقضايا مفتعلة وظواهر شعبوية تنتعش على الافتراضي وتفسح المجال للثرثرة والتعليق ، على حساب الفعل والعمل والأفكار .

في السابق كانت الاسئلة والقضايا محل إختلاف وتصادم وكانت بموازاة ذلك أحلام وأفعال قد نختلف في تقييمها أو في تحديد أهميتها، لكنها كانت في الأخير موجودة وتغذي المشهد التشكيلي ذهنيا وروحيا وهو ما لم يعد موجودا في السنوات الأخيرة ليس فقط بسبب ما فرضته هذه المرحلة الانتقالية من فوضى وتسطيح وشعبوية وليس فقط بسبب ما فتحه المجال الافتراضي من مساحات ثرثرة وخطابات يختلط ضمنها الحابل بالنابل، بل ولأننا وللأسف كانت هناك بذرة في الخفاء ، تنتظر الخروج والتورق لتصبح غصنا فشجرة تخفي غابة الاسئلة التي يطرحها علينا الفن ضمن وضعيته وعلاقته بمحيطه ومجتمعه. تلك البذرة لطالما نبهنا منها كلما تحدثنا عن علاقة الفن بالفكر وعن تلك الحدود الغامضة التي تربط وظائف مثل التعليم والحرف بالفن .

لطالما إكتفينا بالقول أن الفن تقنيات ولطالما كرسنا هذه المقولة في الاذهان، من خلال الخطاب والتعليم ولطالما كرسنا صورة الفنان الذي لا يعرف ولا يعلم ولطالما قسمنا الساحة الى فنانين يمتلكون التقنية والموهبة التي منّها الله عليهم وبين علماء ودكاترة يحرسون النظريات ويسوقونها في ورقات مفصولة عن الواقع الحي أي عن ذلك الواقع المعاش ، حيث يتقاسم الجميع عالمين وفنانين نفس الجري واللهاث كما في شخوص فلاديمير فالي كوفيك.

النتيجة الحاصلة اليوم تتمثل في هذه الحالة المزرية من التصحر، حيث الجهل والصراخ يسودان وينتشران كالطاعون . لقد عوضنا التفكير بالتهييج ، لأننا اجتهدنا في قتل التفكير امام اللهث في سوق بلا سوق . لقد عوضنا النقاش حيث الحجة بالحجة وعوضناه بالاثارة والتقطيع والترييش والثرثرة ، لاننا اجتهدنا حثيثا لكسب المواقع ورفع منسوب الأنانية والبحث عن الغنيمة .

قد يرى البعض فيما اذكر سوداوية ما ، وهنا اسأل عن كمّ ونوعية ما يكتب لدينا في شؤون الفن وقضاياه وتجاربه ، مقارنة بكمّ ما يحبر يوميا من فقرات وسطور تندرج في إذكاء التهريج والسطحية .

هل نقول تلك بضاعتكم ردت اليكم ، أم الاجدر بنا القول أنّ تلك هي البضاعة التي تليق بكم?!