الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



الخياشي ..الاب و الابن

رسما بايات تونس فأرّخا للذاكرة



في العراق محمد صالح زكي وولده زيد. في لبنان داود القرم وابنه جورج وفي تونس هناك الهادي الخياشي وابنه نورالدين. ثنائية الأب والابن الرسامين.

في الحالات الثلاث كانت هناك ريادة فنية هي أشبه بالإرث العائلي. لكنها كانت إرثا فاشلا. فالرواد الثلاثة، زكي والقرم والخياشي وإن كانوا سابقي رفاقهم إلى الريادة لم يكونوا سابقي عصرهم.

لذلك كان إرثهم ثقيلا على أبنائهم، ذلك لأنه كبّلهم بإغرائه الاجتماعي من غير أن يدفع بهم خطوة في اتجاه مستقبل أيامهم أو يهبهم سمة الدخول إلى المغامرة الفنية من جانب التجريب.

لقد رأيت زيدا مرة واحدة وهو يندب حظ لوحة أبيه التي رأى لوحة مزوّرة وقد احتلت مكانها في متحف الرواد ببغداد. ولكن زيدا نفسه كان يرسم مثل أبيه تماما كما لو أنه كان يزور أعماله.

بالنسبة إلى تونس فقد كان الهادي الخياشي حدثا استثنائيا في تاريخها. واحدة من أجمل أعماله هي تلك التي تحمل صورة شخصية لابنه نورالدين الذي صار هو الآخر رساما.

المفارقة أن نورالدين لم يرث عن أبيه الرسم وحده بل ورث أيضا أسلوب الأب وموضوعه الأثير، الصور الشخصية.

ولأن نورالدين لم يرث عن أبيه البايات وهم حكام تونس الذين كان الهادي رسامهم فقد دفعه ذلك الواقع إلى رسم المناظر الطبيعية وتفاصيل الحياة الشعبية، لكن بالأسلوب التقليدي نفسه.

رسام بايات تونس

ولد الهادي الخياشي عام 1882 بتونس العاصمة. يعتبره المؤرخون أول رسام تونسي وإن ظهر بعد أحمد بن عصمان لأنه اتخذ من الفن وسيلة للعيش بمعنى أنه كان فنانا محترفا متفرّغا لفنه. تعرّف على الرسم بمفهومه الأوروبي من خلال تردده على مرسم الفرنسي إميل بنشارت وهو أول الرسامين الفرنسيين الذين استقروا في تونس في مطلع القرن العشرين. يومها جمعته صداقة متينة بموريس بزموت الفرنسي المولود في تونس الذي كان هو الآخر يتردد على مرسم بنشارت.

تعلم الخياشي رسم الوجوه وهو ما اختص به معلمه وبسبب تفوقه اللافت فقد هيأ بنشارت له سبل القيام برحلة إلى باريس وقضاء بضعة أشهر هناك حيث استطاع أن يتعرف عن قرب على أساليب الرسم في الأكاديميات الحرة بمونبارناس.

كان اللوفر فرصة بالنسبة إلى الخياشي لكي يطّلع على روائع الفن الكلاسيكي وهو ما أشعره بالحاجة إلى الاطلاع على إرث عصر النهضة في إيطاليا فشدّ الرحال إليها. حين عاد إلى تونس انضم إلى زمرة رسامي القصر الباياتي بدءا من عام 1908 وكان التونسي الوحيد بينهم. توفي الهادي الخياشي بالمرسى بتونس عام 1948 بعد أن ضمن استمراره في الحياة الفنية من خلال ولده نورالدين.

مع الملوك والأمراء

الخياشي الابن نورالدين ولد بتونس عام 1918. وإذا ما كان نور الدين قد تلقى دروس الفن الأساسية على يدي أبيه فقد كان له موعد عام 1937 في روما مع أب ثان هو رسام عصر النهضة تيتيان.

في الأربعينات من القرن العشرين عاد إلى تونس مستقلا بأسلوبه الفني وهو ما جعله يقف بمنأى عن توجهات جماعة مدرسة تونس بالرغم من أن هناك شيئا من التقارب بين الاثنين على مستوى الموضوعات المحلية.

كان نورالدين كلاسيكيا بحزم وصرامة. وهو ما دفعه إلى رسم وجوه شخصية لعدد من بايات تونس عام 1961، ظلت معروضة في متحف باردو إلى أن انتقلت إلى القصر الرئاسي بقرطاج. على خلاف والده أقام نورالدين معرضا شخصيا لرسومه عام 1982 في قاعة يحيى بتونس العاصمة بعدها بسنة انتقل إلى المملكة العربية السعودية لرسم صور شخصية لملوكها وأمرائها. وهو ما أنجزه قبل وفاته عام 1987.

من المتحف وإليه

لا يمكن النظر إلى تجربتي الخياشي الأب والابن من خلال المفاهيم الفنية السائدة اليوم. ففي الزمن الذي ظهر فيه الخياشي الأب كان المسعى الوظيفي للرسم هو الأساس فكان جلّ ما يطمح إليه الرسام أن يلتفت إليه البلاط وهو ما حدث. يومها انتسب فن الخياشي إلى المتحف من غير أن يلتفت إلى الحياة من حوله.

في الحقيقة لم يكن الرسم ليعني شيئا بالنسبة إلى الناس العاديين في تونس يومها. أما في زمن الخياشي الابن فقد حدث تصادم ضروري بين ما تعلمه الرسام في روما من قيم جمالية كلاسيكية وبين ما سعت جماعة مدرسة تونس إلى فرضه أسلوبا وحيدا في النظر إلى موضوعاتها المحلية. لم يكن في إمكان نورالدين وهو الذي تربّى على الرسم بطريقة محايدة أن ينظر إلى بلاده وناس تلك البلاد بعيني مستشرق جديد. كانت عزلة الرسام عن موضوعه ضرورية من أجل أن يخلص الرسم إلى وظيفته.

صورته بفرشاة أبيه

يقول نورالدين «عند تركيز النظر على شخص ما وبالتالي التأمل في تشكيله يغدو في إمكان الفنان أن يحيط بالهالة الملكية لسلوك ذلك الشخص وأن ينفذ إلى عمق أفكاره ويتلمس سعة أحلامه ولا محدودية روحه». هل كان الهادي الخياشي يفكر في الطريقة نفسها حين رسم صورة شخصية لابنه الذي سيغدو هو الآخر رسام صور شخصية؟

الرسام التونسي الأول الذي أسّس لشخصية الرسام المحترف

بعكس أبيه فإن نورالدين رسم نفسه في لوحات عديدة بدءا من العام 1961. لقد رسم الخياشي الابن نفسه في مختلف حالاتها لكن بالأسلوب التقليدي نفسه الذي لم يغادره بسبب إيمانه من أن الرسم يهب الشخصية المرسومة هيبة مضافة إلى تلك الهيبة الكامنة في أعماقها. في المقابل فإن رسام الصور الشخصية يخترق الشخصية المرسومة ليصل إلى الأسباب التي تجعل منها موضوعا صالحا للرسم. هي نظرة فيها الكثير من التعالي الذي استعاره نورالدين من حياته رساما للبايات والملوك والأمراء وهو ما لا يمكن أن يُلام عليه. فهو ابن عصر آخر.

بين التاريخ والفن علاقة مضطربة

لقد أبقى الهادي الخياشي شيئا من مزاجه الإنساني حين رسم صورة شخصية لابنه. ذلك المزاج الذي لم يكن مسموحا له بالظهور حين يتعلّق الأمر برسم صورة شخصية لأحد بايات تونس. كم كان الرسام غريبا عن موضوعه؟ أما الابن فقد تعرّف على نزهات حرة مختلفة حين قام برسم صورته الشخصية وكان يلتقط أنفاسه بين ضربة فرشاة وأخرى ليتأمل ذاته.

كانت تلك تجربة رائدة في الفن التونسي، بالرغم من أنها لم تكن مؤثرة على مستوى الأسلوب الفني. وهو ما يلقي ضوءًا على قوة الانفصال الذي عاشه كلّ من الخياشي الأب والابن عن الحياة الفنية في تونس. فرغم ريادتهما إلا أن أثرا منهما لم ينتقل إلى سواهما من الرسامين، سواء كان أولائك الرسامون من أتباع مدرسة تونس أو من مناهضيهم الحداثويين. وهو ما يؤكد أن الريادة التاريخية شيء والريادة الفنية هي شيء آخر.

كان الاثنان، الخياشي الأب والابن رسامين محايدين لا أسلوب شخصيّ يميز رسومهما. ميزتهما الوحيدة أنهما أجادا الرسم الأكاديمي بمهارة الحرفيين. لذلك فإنّ العودة إلى رسومهما لا تتمّ إلا لأسباب متحفية. ولأنّ رسومهما لم تُر على نطاق واسع حيث ظلت محصورة في أماكن ضيّقة فقد كان صعبا الحديث عن العودة إلى تلك الرسوم باعتبارها مرجعية فنية.

تبقى للهادي الخياشي فضيلة أنه الرسام التونسي الأول الذي أسّس لشخصية الرسام المحترف.