الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع





لمَ لا تسكت?



يشكو الفنانون العرب من غياب النقد الفني، حقيقة لا خلاف عليها، لم يعد هناك نقد فني في ما نقرأ، غاب النقد بغياب النقاد الكبار، تلك كذبة نقبل بها جدلا.

ولكن هل يرغب الفنانون العرب اليوم حقا في قيام نقد فني حقيقي؟ ذلك ما أشك فيه، بل سأكون صريحا وأقول بناء على خبرتي الشخصية «إن معظمهم لا يرغب في ذلك، بل ويبذل أقصى جهده من أجل إفشال كل محاولة جادة للتفكير في ضرورة قيام نقد فني مستقل وحر ونزيه».

لقد تغيّر مفهوم النقد، فإما أن يكون الناقد مروجا أو أن عليه أن يسكت، من وجهة نظر الفنانين فإن زمن الناقد الذي يُخيف قد انتهى مع ظهور المنسق الفني، وهو رجل أعمال يقوم بوساطة مزدوجة بين الفنان وقاعة العرض وبين قاعة العرض والصحافة.

هناك عمليات بيع وشراء تتم في الخفاء تنتج عنها مقالات مديح يدبّجها كتّاب محترفون، صاروا يتصدرون المشهد باعتبارهم رسل الثقافة المعاصرة، وهناك أموال هي بمثابة الزيت الذي يسهل عمل ماكنة الدعاية.

«ادفع مقدما، تجد صورتك وصور أعمالك تملأ صفحات الصحف»، ما معنى الحاجة إلى النقد بعد ذلك؟ بعض الفنانين كانت لهم اليد العليا في صنع مشهد فني هو أقرب إلى المسرحية الهزلية منه إلى الحقيقة التي يتمكن من خلالها الجمهور من تمييز الخطأ من الصواب.

لقد استعانت القاعات بتشجيع من بعض الفنانين بـ«خبراء منتحلين أجانب أو نصف أجانب» لتقوم بمهمة تغييب النقد الحقيقي لحساب الإعلاء من شأن فنانين نفدت عدتهم الفنية، وصار عليهم أن يعتزلوا.

وكما أرى فإن الخوف من النقد وإن كان عادة متأصلة في مجتمعاتنا، فإنه يسيطر أكثر على الفنانين الذين صاروا يمتهنون خداع المقتنيين بخبراتهم الزائفة سعيا منهم إلى خلق سوق فنية تدر عليهم أرباحا خيالية، ما كانوا يحصلون عليها لو أن هناك نقدا حقيقيا. لذلك صارت جملة من نوع «لمَ لا تسكت» تملأ أذن الناقد كلما حاول الكلام.

متعهدو الحفلات التشكيلية

يحتاج الفنان العربي إلى من يشفق عليه على طريقة «ارحموا عزيز قوم ذل»، متعهدو اللقاءات الفنية التي يتم تمويلها من قبل مصارف ومؤسسات فندقية ومطاعم، صاروا يزجون بشخصيات فنية لها تاريخها المشهود في نشاطاتهم العبثية من أجل إضفاء نوع من الأهمية عليها، وأيضا من أجل إبعاد شبح الشبهات عنها.

لقد رأيت الكثير من المشاهد المحزنة التي تعبر عن امتهان سوقي رخيص لكرامة ومكانة فنانين، كان من الواجب أن يتم التعبير عن احترامهم بطريقة لائقة. لا أن يُدخلوا في خلطة، استعان واضعوها بـ«فايسبوك» من أجل استدعاء فنانين وفنانات للمشاركة في نشاط جماعي هو أشبه بمعسكرات الكشافة.

من المؤكد أن الفنان الحقيقي الذي يقبل أن يُذل بتلك الطريقة، هو من يُلام، ذلك لأنني أعرف أن هناك فنانين يتعففون عن المشاركة في تلك النشاطات، شعورا منهم بأن تلك المشاركة ستسيء إليهم ولن تخدمهم في شيء.

لكن واجبي النقدي يحتم عليّ أن أقوم بتحذير الفنانين من تلك الظاهرة التي استشرت، وصار المستفيدون منها يتفننون في وسائل الخداع والتضليل التي يمارسونها من أجل إقناع اسم كبير بالمشاركة في نشاط فني لا قيمة له.

وإذا ما عرفنا أن ذلك النشاط لا يُقام إلاّ من أجل غايات الربح المادي، فإن الكارثة الأخلاقية هي أكبر من أن يقوى فرد واحد هو الفنان المضلل على تحملها، أعتقد أن في إمكان تلك الكارثة أن تصيب مجتمع الفن بالشلل والعجز التام.

لقد تم استدراج عدد من الفنانين ممَن يمتلكون تاريخا فنيا إلى تظاهرات، كان الغرض منها تحقيق مكاسب معنوية ومادية لا علاقة لها بالفن. وسبق لي أن حذرت من ظاهرة الـ«سمبوزيوم» وهي كذبة يُراد من خلالها جني الأموال والاحتيال باسم الفن على المؤسسات الداعمة.

لا أعترض على نشاط متعهدي وسماسرة الحفلات التشكيلية، لكني أعترض أن يتم إذلال فنانين كبار من خلال استدراجهم باسم التكريم إلى مواقع رخيصة لا تليق بهم.

فاروق يوسف