الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



بفضاء «ريحة البلاد» معرض سوسن قريعة

..تغمـّس ما تيسّر من بهجتها لتذيب باقي الأشجان



تمعنا عن قرب في فحص أعمال التشكيليّة : سوسن قريعة وزدنا من درجة التركيز في لوحات معرضها برواق «ريحة البلاد» فتلبّدت بالروح رعشة ودغدغة جرّاء ما جاهر به سطح الرسومات من روايات ممتلئة بالحكمة والدلائل وتشير بوجه ما عن فخامة ما دوّنته قواميس التاريخ البونيّة...وزادته بهارات ألوان الطيف جمالا أخاذا...وضياء رشيقا..

تعود لفظة «بوني» في الأصل ذات جذور إغريقية أُطلقت على أهل قرطاجة ومنها تطورت لفظة بونيك في اللّهجات اللاتينية وأفضت عند العرب إلى كلمة بوني. إلا أن الكتّاب يستعملون مصطلحات متعددة، فيقولون الحرب الفونية أوالفونيقية أوالبونيقية ومنها وصلنا إلى مصطلحين رئيسيين: بوني وفينيقي.استعمل هومار لفظ Phoinikes لينعت الفينقيين، واستعمل Phoinikes لينعت المدن الفينقية على الساحل السوري الفلسطيني. إن هذين المصطلحين مشتقان من فونيكس هي مادة الأرجوان الحمراء والتي استعملها الفينيقيون لتلوين الاقمشة. فالعهد الفينيقي هوالإطار الزمني الذي شهد ميلاد حضارة الفينيقيين على أرض فينقيا أوكنعان وهي السواحل السورية الفلسطينية الممتدة من جبل الكرمل إلى أوغاريت. ثمّ بعدها امتدّت الحضارة البونيّة لتحلّ بعدد من مناطق شمال إفريقيّة لتؤسس لها موقعا في الذاكرة التاريخيّة بقرطاج وأخذت اللغة الفينيقية مكانها إلى جانب اللغات السامية المجاورة وخاصة منها الآرامية والعبرية ومن ثمة، يعبر مصطلح «بوني» عن واقع مجتمع في إطاره الجغرافي الغربي والواقع البوني هوالمدينة القرطاجنية. هذا الواقع يجسد العهد البوني وهوفي نفس الوقت امتداد للعهد الفنيقي وحضارة البونيين هي امتداد لحضارة الفنيقيين في الشرق الأدنى...وفي النصف الثاني من القرن 2 ق.م. إلى القرن 1 ق.م. لم يؤثر تدمير مقر السيادة القرطاجنية في 146 ق م من قبل الرومان على مواصلة اشعاع الحضارة البونية على بقية المناطق داخل البلاد التونسية ويعدّ الفن الفينيقي أحد فنون الشرق القديم عبر النقوش والمنحوتات لتبرز على ذوق الفنان الفينيقي، وحسه الجمالي ومهارته اليدوية وخبرته المهنية وآفاقه الثقافية....

عبر هذه التخوم ومن عبق هذا الفردوس الإبداعي أعادتنا الرسامة المتألّقة : سوسن قريعة لنعيش اللحظة ونتأمّل في الفحوى والمضامين وما حملته ذاكرة المتساكنين البونيين في حلّهم وترحالهم وحياتهم اليوميّة المشوبة بالحراك من طقوس ونواميس و.... الأمر الذي الذي أذكى لدى فنانتنا سوسن حبّ الإطلاع ومزيد الغوص في المعاني والأشجان...البهجة والأحزان البونية الصّرفة فتشبّعت بالموروث وفقهته ثم اسالت فرشاتها من يسير بهجتها فردوسا ناعما من الرسومات واللوحات فائقة الضياء والبهاء لتنتشر أقرب من الفراشات بين زوايا رواق وفضاء المركز الثقافي الخاص «ريحة البلاد» بمونفلوري تونس ....

مرور مقتضب على رصيف التجربة :

يعتبر معرض الرسامة سوسن قريعة المتمثل في قرابة 37 لوحة زيتيّة فاقعة بمثابة محطّتها الأخيرة بعد تجربة مازالت متواصلة وممتدّة في الزمان والمكان على مدى سنوات من البحث والتمحيص والإنتشار بين عديد الأروقة والفضاءات الثقافيّة العامّة والخاصّة ... حين أردنا استكشاف نوايا الرسامة وخفايا ما تحمل رموزها وانسيابات فرشاتها صوب القماشة استشعرنا حرفيّة لافتة ولمسنا تمحيصا وتدقيقا ينبئنا بتشبع تاريخي مسبوق وملحوظ وبالتالي أن باعدنا عن الإعتباطيّة والتملّق يمكن أن نشهد للفنانة بحذقها الفائق لأعلى درجات الوعي بالصنعة التشكيليّة وترسّخ لأسلوب فني مخصوص وبصمة متفرّدة تشهد لها بالكفاءة، تعدنا بإعادة لإستنشاق أريج السابقين وأسلافنا الأوّل من البونيين والإمعان بأكثر عمق خصوصيات وتيمات الحياة الإجتماعية والثقافيّة التي أفردت الشعب البوني من خلال الحروفية والأرقام والأشكال وشتات أبجديّة باذخة توزعت باقتدار ونسبيّة فوق بياض القماشة...لتنحت الرسامة بوصلة لأزقتها وقبائلها المقيمة تحت البلاطات وفي الأسواق اليوميّة وحول باقيات نخيل حذو الواحة....فتبدو وتلوح رسومات سوسن قريعة في مجملها طلل جميل على ذاكرة مخضّبة بحنّاء ألوانها وتشرّع لنا أناملها موعدا مع ماض تليد ، ملامسة لواقع مريب واستباق حضاري لمستقبل غزير بالأمل الجديد....ننتظر أن تستزيدنا الرسامة بوارف فرحها ما يلجم نزيف جراحاتنا...ويذيب أرقنا الغائر بؤبؤ الأفئدة...

 


جلال باباي