الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



جدارية

سماسرة وفنانون


عمر الغدامسي

الأزمة الاقتصادية المتردية التي تعيشها البلاد وما سببته من حالة تضخم وإنكماش، استنزفت أيضا شرائح واسعة من الفنانين والممارسين٫ حيث يمكن وبالعين المجردة معاينة درجة المبيعات داخل الاروقة ومقارنتها بالسنوات المنقضية.

في المدن السياحية حيث تنتشر بعض الاروقة لبيع لوحات بمواصفات تستجيب لذائقة السائح ومقدرته الشرائية أجبر عدد هام على الغلق مع العلم وأن هذه الاروقة يعيش منها فنانون بعضهم متخرج من معاهد الفنون وقد اختاروا هذا المسلك التسويقي كموطن شغل .

أما إذا عدنا إلى تونس الكبرى حيث تنشط غالبية الفنانين فإن أعدادا منهم لا تخفى حالة التدهور المادي التي أصبحوا عليها بسبب تدني نسبة مبيعات لوحاتهم وأعمالهم الفنية عموما ومن بين هؤلاء من يملكون ورشات خاصة وبمعاليم كراء ومصاريف عامة أصبحوا عاجزين عن تغطية تكاليفها .

ما نعاينه حاليا هو ألاّ احد يطرح مثل هذه المواضيع المباشرة والحادة .ذلك أن بعض الاصوات العالية بصدد خوض معارك جانبية ووهمية أو هي غارقة في صناعة الفرجة الكلامية بالثرثرة وسبّ اللعنات والتشكيك. إن هذه المعارك غير المثمرة عادة ما تكون مفروضة على الفنانين وبفعل الوسطاء أي من غير الفنانين وما نقصده بالوسطاء هم أولائك الذين يبحثون عن مواقع ومكاسب دون أن تكون لهم أرضية صلبة يقفون عليها وتمنحهم شرعية الوجود كالكتابة أو اية وظيفة اخرى تربط الصلة ايجابيا بين الفنان وسوق الفن أو الاروقة، ومثل بقية الوسطاء في الميادين الاخرى والذين نسميهم بالعامية «القشارة» تصخم ضجيجهم بعد 14 جانفي 2011، وهذا أمر مفهوم، ففي الفوضى والغموض تتعاظم مثل هذه الظواهر السلبية.

ما يحصل في كل مرّة هو تضييع للمقاصد وتهميش للواجبات واختلال الرؤية.

إننا بصدد الحديث عن شريحة من الفنانين وجزء من مجتمع حي فكما أن ثقافة الموت أنتجت تجار عطور الموتى وعذاب القبر، فإن ثقافة الحياة والانفتاح أنتجت وتنتج أناسا لا يملكون في هذه الحياة غير الرسم ونحت الاشكال، نسميهم فنانين عموما.

أكثر من ذلك فإن الخوض في مراتبهم ودرجة اقترابهم أو ابتعادهم من الأنموذج الذي لا يوجد اتفاق حوله والذي به نحدد مفهوم الفنان يبقى بلا قيمة مادامت القيمة متحققة في أثر وحضور هذا الفنان أو ذاك .

ففي بلد مثل فرنسا حيث توجد الأروقة بتعدد قيمتها وتوجد المتاحف والمؤسسات الفنية توجد أيضا مونمارتر، كما يوجد فنانون شباب في الشارع أو غيرهم ممّن يلتقون لإكتساح الفضاءات المهجورة وتحويلها إلى ورشات، فهل نسمي هذا فوضى أو تهميشا أو نسميه تعددا وتنوعا يثري حضور الفن في فرنسا عموما؟ فلماذا يبدو فنانونا أكثر تحمسا لخوض معارك الإنقسام والاختلاف والتشكيك عوض التعايش؟ هل ذلك من إنعكاسات الازمة وما تفرزه من سلوكيات أنانية وحلول طارئة وفردية؟

أعتقد أنها ذهنية قديمة ومترسخة وليست من نتاج هذه الازمة .فالفنانون في بلدنا هم غالبا على درجة عالية من الفردانية التي تصل الى ذروة الأنانية والقدرة على نفي الاخر الى درجة النسف. لم يمتلكوا بعد القدرة على التناغم والاحترام المتبادل فما ادراك بالعمل الجماعي. وهذا عنصر يساعد على تغوّل السماسرة .

أن ندافع عن شريحة قد لا نلتقيها في مجالنا التعبيري ولا تشاركنا رغبة العرض بين نفس الجدران ولا نميل إلى ذائقتها الفنية فإن ذلك يخرج المسألة من سياقها المجتمعي ويجعلها مجرد مسألة اعتبارية مجالها الفكر والنقد.

أما سياقها المجتمعي فيفهم في ذلك البعد الذي يخصّ تدرجنا الحضاري وإنصهارنا في روح العصر فان تعبر من خلال الفن أبقى وأحسن من أن تجلد ذاتك أما أن تعيش من فنك فذلك يعني أنك وصلت إلى درجة القبول والاعتراف من الاخرين.

إن الفن ضرورة باطنية، تحقق للذات توازنها فمن الف باء مفاهيم الفن ومنذ الاغريق بعده التطهيري، والفن هنا لا يكمن في الأثر أو في المنجز فقط، بل في تلك الارادة أوالرغبة اللاعقلية واللامادية والمجانية في لمس المواد والألوان وابتكار الأشكال. هناك معنى طفولي في الفن يهتم البعض بتدنيسه بعقلية الكبار في الارتزاق.