الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



بضحكته العارمة...الفنان حمادي بن نية :

أعمال باذخة من البقايا والمستعملات...



شمس الدين العوني

في تقديمه للمجموعة الشعرية للشاعر الفنان العراقي الدكتور شاكر لعيبي التي عنوانها «عقيق مصري » يتحدث الشاعر سعدي يوسف عن الشعر والكتابة ومن ذلك يذكر «..البساطة أصعب أفعال الشاعر...»..نعم هكذا وينسحب الأمر على الشعر باعتبار الفنون جميعها مشاغل ومباحث ابتكار وجماليات ..

هذا ما قفز الى رأسي وأنا أتجول في حدائق من المعادن والمتروكات الحديدية والقطع والأدوات وغيرها التي هي مواد وعناصر وان أنهت وظائفها واستعمالاتها فانها بفعل فاعل تزال على قيد الحياة بل انها تبعث أبعادا أخرى للحياة في تجلياتها الجمالية والوجدانية والانسانية..هي لعبة الفن الباذخة التي لا تقنع بهكذا ضوابط في الزمان والمكان..

أشكال وتلوينات من القطع الحديدية وعناصر وظيفية لبقايا الآلات .أدوات عمل صناعية وتقنية من المفكّات والبراغي وساعات قديمة وثلاجة من أزمنة وعدد من الآلات الكاتبة ...ذهبت الآن بل من زمن حروفها فولاذ وأسلاك وكم كبير وهائل من متروكات وبقايا ومستعملات المعامل والمصانع وأشياء أخرى مركبة ومفككة وصدئة و...و... لا شيء يجمع بينها سوى ما يجول في بال هذا الرجل...

هذا الرجل الفنان بل الطفل..استقبلنا بضحكته العارمة مثل أطفال جدد وبلا ذاكرة في هذه الأمكنة التي هي الواحة...الواحة المعدنية التي مثّلت حياته وموطنه وشغله الشاغل ولعبته المفضلة وينابيع عرقه في هذا الزمن التجريدي حيث السقوط المدوي وتداعيات العناصر والتفاصيل والأحوال..

أتجول في المخزن الكبير وبي شيء من بذخ الذكرى والأزمنة..أدوات وآلات ومستعملات صالونات وتقنيات من زمن عابر ..المواد من معادن مختلفة والأكسسوارات التي هي عناوين أثاث تصلح للصورة والدراما لتأثيث النص لأزمنة محددة حسب الحقب وطقوسها وأثاثها..أدوات هي حياة الطفل الكامن في التواريخ..ساعات وطاولات وأثاث من ذهب الأزمنة حيث القول بالجمال الذي أتقنته الأنامل في صبر وحرفية وتعب جميل وحب افتقدها جميعها كائن هذه الأيام..

ما عساه يفعل هذا الطفل بهذه الموجودات وهوالقانع بالحب الماكث في قلبه والممتلئ على عكس بعض الفنانين بالقناعة والمحبة والصبر والايمان والود والحلم والعناد..

نعم العناد فكرته التي يعانقها وهو(يدعك) الحديد يشكّله ويلين له في حوار وتجليات نادرة..مثل خزاف يحاور طينه ويحاوله تقصدا لهيأة من جمال..

لا شيء يأسره في تلك البقعة بسكرة الضاحية الهادئة سوى هذا الكم البديع من السكينة التي بها يمضي فنان ومبدع الى ذاته في الآخرين..

ما سرّ هذا الضحك الهائل البريء حيثما حل بين الأفراد والمجموعات في شتى جهات تونس بقراها ومدنها وعواصمها وفي بقاع كثيرة من العالم..بعد أربع ساعات من الحديث والأسئلة والتأمل ..أدركت سر الضحك الذي أدركت مثله في تلك السنوات وأنا أتجول في شوارع بغداد زمن الحصار حيث كان منها شارع السعدون لأتخلص من كل ذلك الوجع والألم والحسرة على الضيق وتعب الناس والجوع ..بنص شعري عنوانه ضحك بالسعدون في مجموعتي الشعرية آنذاك ( أمجد هذا الهذيان )..

انه الضحك ذاته ..الضحك الذي يخفي الألم والاحساس بتعب الناس وخراب الأحوال..وهذا هوالفنان حيث لا محال لديه لغير التفكير في وجوه يكسر الحزن أجنحتها ولكن تصرخ ألوانها بالتحايا..

في المكان بعض أعمال فغيرها في المعارض وبيعت وتلقفها الباحثون عنها المغرمون بالجمال المبثوث فيها علها تضفي عليهم وعلة فضاءاتهم وبيوتهم بعض هذا الجمال..

ماذا..أقف مأخوذا مثل الدراويش ..انا أمام عمل فني غاية في الاتقان والامتاع والاشتغال..انه العازف..قد هذا العمل من قطع تفوق المائة وتكيفت تشكلاتها مع هيأة العنوان..العازف الأمهر يعانق كمنجته وهويطلق مثل نحاته الأمهر أنغاما باذخة..

الشكل والحركة واللهوبالعزف وغير ذلك في هذا العمل الصعب الذي يستعيد في مواده المشكلة له قطعا عديدة مختلفة الأحجام والأشكال..طبعا هذا صعب ..لكن الفنان هنا له تعبه اللذيذ الذي يضاهي متعة الموسيقى وفق لعبة الفن الاستعادي..وهنا الركن الهام في التجربة والتخير الفني والجمالي..

أعمال عديدة بين الحيوانات والحشرات والهيآت المتعددة للانسان مثل العزف والرقص وغيرها من مبتكراته وبأحجام مختلفة..يجمع بينها الجمال والابتكار والصبر عليه أثناء الاشتغال..

من أكوام الخردة (البقايا والمستعملات من حديد وأدوات ومعادن المصانع والآلات...)

يأخذ هذا الفنان الطفل نفسا وأنفاسا بسعادة لا توصف يرى في تفاصيلها أشكالا ومواضيع جاهزة وأخرى يطوّعها في الورشات فتأتيه طوعا وكرها..فنان النحت والاستعادة يهب المكان شيئا من عطور الأزمنة..وبعد هذا الولع الذي كان منذ الشباب بتلك العلاقة من الدلال تحول الأمر وخلال العشرية الأخيرة الى الابتكار الجمالي وفق التشكيل الفني وبتلك الحساسية المفرطة والذوق الأخاذ والعناد الجميل ..ضرب فني ونوع جمالي يقولان بالدهشة والبراءة المفعة بشغف اللعب ..اللعب مع المعادن وتفاصيلها وجزئياتها حيث الطفل يلهو بها يحاولها ويحاورها قولا بالعذوبة والتحنان الهائل..

أيتها الأشكال

الذاهبة الى النسيان..

العائدة من النسيان..

ماذا يقول القلب لسيده...

هي اللغة وقد عذبها الحنين

لتذبحها الأوتار

هوالعازف الأمهر...

العازف والنازف كالأمكنة والأزمنة ..

حيث لا مجال لغير التذكر

هي لعبة الطفل النادرة....

يلهوبالحديد فتنته القديمة...

فنان في خلوته...كما عهدناه دوما ...يشبه المتصوفة...غير أن الحديد الذي يلين له...كان طيعّا مثل الكلمات والألوان بعد تمنعها..فسحة استثنائية باذخة بحجم ضحكة عارمة ونادرة كثيرا ما يطلقها ....حمادي الفنان..

ساعات قليلة بحكايات كثيرة كانت فاتحتها الضحكة الكبرى والبهجة رغم الحال ...والأحوال..لهذا الطفل الأنيق في ضحكته الدافئة ...هوالفنان حمادي بن نية ..بحر من حياة وتجربة وصبر..يحب الجميع كما قال عنه الفنان محمود شلبي صديقه «..حمادي معدنه نحاس...»..نعم ..يسعد للناس للفنانين وللفعل الثقافي الناجع ويألم لتدهور الحال واللخبطات الثقافية حين تحدث لا يلوي على غير القول بالسعادة تغمر الفنان رغم ضيق يحل وقلق يدق الباب وتعب في الحياة ....ولكن سلاحه العمل ولا شيء غيره بكثير من البراءة والمحبة الصافية..الخالصة..يتعدد نشاطه ومشاركاته وخاصة مع من يقصده من الجمعيات والمجتمع المدني ويرج تغيير القوانين والتشريعات لتسهيل عمل الفنان وترويج ابداعاته بما يعود بالخير العميم على الفن والبلاد والفن الوطني عموما وتعنيه صوة تونس كثيرا ..

L’art de la récupération أوفن الاستعادة وغيره من فنون النحت..مجالات فنية يبتكر فيها وخلالها الفنان حمادي أعماله... هي فسحة بصرية ووجدانية وفنية تجاه فنان خبر عطور المعادن والمتروك من الأدوات ليجعل منها فنا..هي لعبة الفنان الذي يعيد لانفتاح بهاءه بعد أن اكله الصديد وتعاقبت عليه الأزمنة والمصبات وآلات الاهمال والنسيان..

حمادي بن نية فنان خاص بسلوكه وفنه ورفعة أخلاقه يبتكر من الوقت ما به تستعيد العين شيئا من جمال الحال والأحوال..شطرانة3 مكانه ومنطلقه نحوالعالم..هذا العالم الذي صار في أزمنتنا قرية وشاءت العولمة تحويله الى متحف مهجور ليصير الانسان مجرد رقم وسوق ولا غير...لكن الفنان هنا يتفطن ويكشف اللعبة المعولمة القذرة ليلقي أسئلته على المادة وعلى فنه لينطلق مبشرا بالخصوصية والابداع نحتا للقيمة وقولا بعظمة السؤال..سؤال الطفولة الحالمة والفن البليغ والابداع في شواسعه من الامتاع والمؤانسة وفي عوالمه وما تقوله من ابداع وابتكار واستعادة للشكل والقيمة والمكانة...