الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



خالد بن سليمان في «معمار للظل..تراتيل للضوء» برواق المرسى

الحال والمقام



خالد بن سليمان الفنان الخزاف والذي تعود تجربته الى بداية الثمانينات من القرن الماضي وتطوّرت عبر مسارات من البحث والتجريب والسفر كـ«طالب» علم حيث التحق بعد تخرجه من معهد الفنون الجميلة بتونس سنة 1977، بمدرسة مسانا ببرشلونة الاسبانية و يحوز سنة 1979 شهادته منها ليترحل بعدها كـ«مريد» الى «مقامات» كبار معلمي فن الخزف والخط في الشرق البعيد، اليابان والهند وايران وباكستان. عبر كل تلك المسارات كان خالد بن سليمان يراكم جملة من التقنيات والرؤى التي ستشكّل تمشيه الفني الخاص، والمعروف بروحه الشرقية ومرجعياته الصوفية والتي تعود بداياتها الاولى الى مرحلته الدراسية بمعهد الفنون بتونس عندما كان طالبا يبحث في خضم ما يوجد من أساليب وفرقعات فنية واتجاهات عن أسلوبه الخاص والذي لم يجده في كتب الفن ولا في معارض الفنون، بل التقاه في محيطه القريب جدا جدا، في زاوية ما من بيتهم القديم ببلدة المعمورة وكان عبارة عن كومة من المخطوطات والتي تعود لعائلته وجده ومنها وبها انطلق.. «العالم يبدأ من بيتي»، ليست مجرد مقولة لكاتب اسمه غابريال غارسيا ماركيز.

بين ما كان في تلك المخطوطات التي عثر عليها، بحروفها وخنافيسها وما حملته أوراقها الهشة من علامات الرطوبة والتآكل، وبين ما عليه خزفيات الفنان اليوم، من أشكال وعلامات. تشكّل الطابع الخاص لخالد بن سليمان، ليكون ذلك المعلم والخيميائي الذي خبر لغة النار والماء والتراب والهواء، فكان العارف باسرارها والآمر المسيطر على نسب امتزاجها للتأليف بينها وانصهارها. وهي معارف وعلى أهميتها ودقتها ما كانت لوحدها ان تصل بخالد بن سليمان الى تلك المكانة الاعتبارية والمشهود له بها في متاحف عالمية، لو لا وجود جذر آخر اساسي هو العاطفة (الحب والبغض في تكاملهما) والتي يذكرها إيمبيدوكليس العالم الاغريقي ومؤسس مفهوم العناصر الاربعة، كقوة محركة تقوم بعملية المزج والعزل لتلك العناصر الاربعة والتي هي في الاخير بسيطة وغير قابلة للتغيير. ان هذه الاشارة الى علاقة العلوم بالوجدان يبدو ذكرها اساسيا ذلك ما يهمنا اساسا يتعلق بمضمون معرض خالد بن سليمان المتواصل حاليا برواق المرسى والذي يندرج ضمن تمشيه الفني التأملي والصوفي.

ان السؤال الذي قد يطرح دوما في تجربة خالد بن سليمان، هو كيف يمكن تنزيل تجربته الفنية والقائمة علي منجز بصري ضمن المرجعيات الصوفية والتي تقوم على الترميز والمعاني الباطنية.

هذا السؤال في اعتقادنا نابع من ثقافة محلية، رسخت في جانب منها نبذ تلك العلاقة بين اليدوي والذهني ومن ثمة تلك الرابطة المقدسة والتي تحيل الى شكل المثلث في امتزاج اليد كعمل يدوي والعقل كفكر والقلب كروح وعاطفة. وهو امتزاج عرفته الحضارات الشرقية الكبرى وعموم الحضارات الكبرى وبشكل ما الحضارة العربية الاسلامية، في فنون الخط والمفردات الهندسية.

لقد وصف ليوناردو دافنشي الفن بأنه مسألة ذهنية، أي انه قائم على مجموعة من المبادئ والمعارف بوبها في مخطوطاته بدقة مذهلة، الا ان مفهومه هذا، يجب ان يقرأ في سياقه والذي يختلف عن مفهوم الفن في الشرق والذي يقوم على جوانب روحية وتأملية، اعاد الغرب نفسه اكتشافها بعد قرون من المحاكاة والواقعية الكلاسيكية، ففتحت له ابواب الحداثة الفنية.

اننا هنا بصدد فتح تلك الصفحات اللامرئية في مرجعيات الفنان خالد بن سليمان، والوثيقة الصلة بأعمال معرضه الحالي برواق المرسى والذي جاء تحت عنوان Architectures d’ombre.... Oraisons de lumière. وهو عنوان وجدنا صعوبة في ترجمة كلمة الفرنسية Oraisons لتعدد معانيها الى أن استقر رأينا على كلمة «تراتيل» ليكون عنوان المعرض في ترجمته الى العربية «معمار للظل.. تراتيل للضوء»... في كل الاحوال الترجمة خيانة كما يقول المثل الايطالي.

الحال والمقام

يبد معرض خالد بن سليمان اشبه ببصمات شيخ صوفي معتكف في محرابه وهو محاط بصحفه الطينية الطرية، يخط عليها علاماته واشاراته، دون القدرة على مقاومة او اهمال ما يجري في الخارج،، حيث الامر اشبه بطقس معقد مثل الحجاب الرقيق والشفاف الذي يفصل الخلوة عن محيطها الخارجي. هذا بلغة وصفية اما بلغة المتصوفة فان ما اعتبرناه حجابا هو الغشاوة بين ما يسمى الحال وهو نازلة تنزل بالقلوب فلا تدوم، اي ما يَردُ على القلب من غير تعمد ولا اكتساب. اما المقام: فهو ما يقام فيه العبد ويتحقق بالعبادات والمجاهدات والمكاشفات.، فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب سواء من خلال القطع الخزفية او اللوحات او التنصيبات، تكمن شواهد عن ما تسرب الى تلك الخلوة من صور وما جرده الفنان من معاني تخصها، كل ذلك دون ان يغادر صلاته وترانيمه المرئية، اي مقامه. حيث ان كلمة «هو» مبصومة ومحفورة في كل شواهده او اذكاره المرئية، كخيط دقيق رابط بين السماء والارض، بين الوجود والموجود، بين الحال والمقام. وليست «هو» الا مرادف للاتحاد في الذات،معنى وجوهر منفلت من كل تحديد او تعريف وما أسمائه الحسنى الا تشبيه دون تحديد.

الفناء والبقاء

في احدى اعماله التنصيبية تتواجه تقنيتان في الخزف واحدة ملونة بالابيض وتحمل كتابات واشارات بالاسود وثانية تقف كالأطلال بالاسود بوميض لون المعدن القريب الى لون الاحتراق وعليها بقايا علاماته واشاراته محفورة كذاكرة ترفض المحي. تتشكل التنصيبة بجزئيها كشهادة عن الحال بما تعيشه مدن الشرق كدمشق وبغداد،ان لم نقل العديد من مدن العالم،التي حفلت بالعلوم والمعارف من تدمير وخراب، ان تقابل جزئي التنصيبة يماثل تقابل صورة البقاء بصورة الفناء، وفي ذلك ليس استدراجا لقراءة تقوم على المقارنة و لعبة الثنائيات، بما تحدثه من تأثيرات عاطفية بل من باب يتجاوز المعني اللغوي الذي يعطي للبقاء معنى مستقلا عن معنى الفناء، فالعين هنا عليها الا تشتغل وفق المقارنات، بل وفق عين العبد الثابتة عند المتصوفة، ذلك انها اصل الوجود. فالبقاء وحسب ابن عربي حال الثابت الذي لا يزول. أي بمعنى ما هو السوي والمستقر والابدي المترسخ، في الروح، اما الفناء فهو بمعنى ما، فناء الصفات المذمومة، والتي يقابله الاتصاف بالصفات المحمودة والبقاء فيها.

الى جانب هذه التنصيبة يحضر الحال في معرض خالد بن سليمان من خلال اعمال وشواهد اخرى، نذكر منها قطع خزفية بلون معدني براق علي هيأة قنابل حفر على اسطحها علاماته واشاراته المميزة، وكأن الفنان بهذا الاختيار يحول وجهة الحال الى قاموس مقامه.

الجانب الاخر من المعرض يخص المقام، أي محراب الفنان وحالات وجده وانغماسه، حيث لكل شكل معنى ولكل علامة مغزي. اننا نذكر بالتحديد الاشكال الهندسية ودلالاتها والتي تبدأ بالمربع الذي منه تتولد بقية اشكاله الهندسية وهما الدائرة والمثلث.

لقد سبق لأفلاطون وان كتب منذ فجر الفكر في مدخل اكاديميته «ذلك ان الكون ايقاع منتظم ومتناغم كبناء هندسي دقيق» لا يدخل الأكاديمية إلا مَن درس الهندسة». وهذا يجعلنا نشير الى ما يعرف بالمجسمات الافلاطونية والتي هي عبارة عن خمسة اشكال هندسية محيطة بشكل كروي وهو ما يماثل مكانة الدائرة عند محي الدين بن عربي، حيث يقوم الوجود على بنية دائرية، حيث التصور الدائري لبنية الكون إلى جانب بنيته الروحية، يضمن التقاء البداية والنهاية؛ الأمر الذي يُسقط مفهوم الزمن الخطى لصالح الزمن الكوني أو الزمن الإلهي.

هندسة الكون

اننا نجد في أعمال خالد بن سليمان هذه المرجعيات في أعماله حيث أن المربع في اعماله ليس مفصول عن مرجعياته الصوفية ذلك انه الشكل الذي يختزل مبدئي السكون والحركة هما الفكرة التي يعبر عنها مبدأ التربيع والتدوير ففي حين تمثل الجهات الأربع للشكل المربع المركز أو النقطة أو السكون المركزي، فان محيطه يمثل حركة مستمرة. ان العلاقة بين السكون المركزي والحركة المحيطية هي علاقة بداية وحركة مستمرة، وذلك وفق تعريف شاكر حسن ال سعيد في مؤلفه «لأصول الحضارية والجمالية للخط العربي».

داخل دائرة أو ضمن مربع مقسم الى مساحات هندسية، يقوم خالد بن سليمان بملئ المساحات بكتابة «هو» و«الله» في حركة متكررة وضمن ايقاع واحد بما يجعل اللوحة اشبه بقطعة من الترانيم والتسابيح يكون ضمنها عنصر الاجهاد بالتكرار اشبه بحالة الانغماس الى غاية الوجد والدوران حول النفس والتأمل للوصول إلى مرحلة الكمال. وبما يذكرنا برقصة المولوية.

يولد المثلث كشكل هندسي منتظم من المربع و هو في الحساب يشار اليه برقم 3 أي «بداية الكثير» حيث معه تتبدل قواعد اللغة من المفرد والمثني الي الجمع. كما انه يختزل مفهوم الزمن (ماضي وحاضر ومستقبل) كما انه يختزل مفهوم السمو والتصال بين الارض والسماء، بين الدنيوي والخالد، بين المتعدد والمحدد، كما في تنصيبة الفنان المعروضة والتي هي عبارة عن مجموعة من المثلثات الخزفية كتب عليها اسماء الله الحسنى مرفوقة بعلامات وكلمة «هو» والتي تشكل مجتمعة دائرة يتوسطها مثلث اكثر ارتفاعا بقليل خط عليه كلمة «هو» بارزة.

ان قوة البناء الهندسي بدلالاته الروحية في اعمال خالد بن سليمان لا تنبع فقط من الذهن ودقة الحساب وهو يتماهى مع ايقاع الكينونة، بل انه ايضا ينبع من ذلك المثلث السحري والذي يجسّد «الفنان» في وحدة والفة فكره وساعده وقلبه، حيث من التأمل تولد تلك الوحدة وتتجسد كطاقة عفوية ودقيقة، وهو ما تبينه تلك اللمسات الخاطفة والمشحونة بالدقة والعفوية في اعماله، وبما يذكرنا بكبار معلمي الخط في تقاليد الشرق البعيد.

عجائب خالد بن سليمان لا تقف عند هذا الحد اذ هناك في المعرض تفاصيل واسرار اخرى عديدة تشمل مباحث الفنان في الخط وتليينه وصرفه ضمن ألوان جديدة وطارئة على تلك الاوكسيدات المتداولة في فن الخزف وهو مبحث فريد في نتائجه.